فهرس الكتاب

الصفحة 1037 من 4997

..إنه لا يكلفهم شيئا فوق طاقتهم ولا يكلفهم عنتا يشق عليهم ولا يكلفهم التضحية بعزيز عليهم ..فاللّه يعلم ضعف الإنسان ويرحم هذا الضعف.واللّه يعلم أنهم لو كلفوا تكاليف شاقة،ما أداها إلا قليل منهم ..وهو لا يريد لهم العنت،ولا يريد لهم أن يقعوا في المعصية ..ومن ثم لم يكتب عليهم ما يشق،وما يدعو الكثيرين منهم للتقصير والمعصية.

ولو أنهم استجابوا للتكاليف اليسيرة التي كتبها اللّه عليهم واستمعوا للموعظة التي يعظهم اللّه بها لنالوا خيرا عظيما في الدنيا والآخرة ولأعانهم اللّه بالهدى،كما يعين كل من يجاهد للهدى بالعزم والقصد والعمل والإرادة،في حدود الطاقة: «وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ،أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ - إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ - وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ،لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا» ..

إن هذا المنهج ميسر لينهض به كل ذي فطرة سوية.إنه لا يحتاج للعزائم الخارقة الفائقة،التي لا توجد عادة إلا في القلة من البشر.وهذا الدين لم يجىء لهذه القلة القليلة.إنه جاء للناس جميعا.والناس معادن،وألوان،وطبقات.من ناحية القدرة على النهوض بالتكاليف.وهذا الدين ييسر لهم جميعا أن يؤدوا الطاعات المطلوبة فيه،وأن يكفوا عن المعاصي التي نهى عنها.

وقتل النفس،والخروج من الديار ..مثلان للتكاليف الشاقة،التي لو كتبت عليهم ما فعلها إلا قليل منهم.وهي لم تكتب لأنه ليس المراد من التكاليف أن يعجز عنها عامة الناس وأن ينكل عنها عامة الناس.

بل المراد أن يؤديها الجميع،وأن يقدر عليها الجميع،وأن يشمل موكب الإيمان كل النفوس السوية العادية وأن ينتظم المجتمع المسلم طبقات النفوس،وطبقات الهمم،وطبقات الاستعدادات وأن ينميها جميعا ويرقيها،في أثناء سير الموكب الحافل الشامل العريض!

عن أبي إسحاق السبيعي قال:لما نزلت:"ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم"،قال رجل:لو أمرنا لفعلنا،والحمد لله الذي عافانا! فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:إنّ من أمتي لَرِجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرَّواسي. [1]

وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ،أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ،أن عبد الله بن الزبير حدثه،عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ"أَنَّهُ خَاصَمَ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ كَانَا يَسْقِيَانِ بِهِ كِلاهُمَا النَّخْلَ،فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ:سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ،فَأَبَى عَلَيْهِ،فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:اسْقِ يَا زُبَيْرُ،ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ،فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ،وَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ كَانَ ابْنُ عَمَّتِكَ،فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ،ثُمَّ قَالَ:اسْقِ يَا زُبَيْرُ،ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ يَرْجِعُ إِلَى الْجِدْرِ،وَاسْتَرْعَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الزُّبَيْرِ حَقَّهُ،وَكَانَ"

(1) - تفسير ابن كثير - دار طيبة [2 /352] وتفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [8 /526] (9921 ) صحيح لغيره

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت