إن القضية التي تتناولها هذه الآيات،هي جانب من قضية كبيرة ..القضية المعروفة في تاريخ الجدل والفلسفة في العالم كله باسم «قضية القضاء والقدر» أو «الجبر والاختيار» ..وقد وردت في أثناء حكاية ذلك الفريق من الناس ثم في الرد عليهم،وتصحيح تصورهم.والقرآن يتناولها ببساطة واضحة لا تعقيد فيها ولا غموض ..
فلنعرضها كما وردت وكما رد عليها القرآن الكريم: «وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا:هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ.قُلْ:كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا؟» ..إن اللّه هو الفاعل الأول،والفاعل الواحد،لكل ما يقع في الكون،وما يقع للناس،وما يقع من الناس.فالناس يملكون أن يتجهوا وأن يحاولوا.ولكن تحقق الفعل - أي فعل - لا يكون إلا بإرادة من اللّه وقدر.فنسبة إنشاء الحسنة أو إنشاء السيئة،وإيقاعها بهم،للرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو بشر منهم مخلوق مثلهم - نسبة غير حقيقية تدل على عدم فقههم لشيء ما في هذا الموضوع.
إن الإنسان قد يتجه ويحاول تحقيق الخير بالوسائل التي أرشد اللّه إلى أنها تحقق الخير.ولكن تحقق الخير فعلا ينم بإرادة اللّه وقدره.لأنه ليست هناك قدرة - غير قدرة اللّه - تنشئ الأشياء والأحداث وتحقق ما يقع في هذا الكون من وقائع.وإذن يكون تحقق الخير - بوسائله التي اتخذها الإنسان وباتجاه الإنسان وجهده - عملا من أعمال القدرة الإلهية.
وإن الإنسان قد يتجه إلى تحقيق السوء.أو يفعل ما من شأنه إيقاع السوء.ولكن وقوع السوء فعلا،ووجوده أصلا،لا يتم إلا بقدرة اللّه وقدر اللّه.لأنه ليس هناك قدرة منشئة للأشياء والأحداث في هذا الكون غير قوة اللّه.
وفي الحالتين يكون وجود الحدث وتحققه من عند اللّه ..وهذا ما تقرره الآية الأولى ..
أما الآية الثانية: «ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ،وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ...»
فإنها تقرر حقيقة أخرى.ليست داخلة ولا متداخلة مع مجال الحقيقة الأولى ..إنها في واد آخر ..والنظرة فيها من زاوية أخرى:إن اللّه - سبحانه - قد سن منهجا،وشرع طريقا،ودل على الخير،وحذر من الشر ..فحين يتبع الإنسان هذا المنهج،ويسير في هذا الطريق،ويحاول الخير،ويحذر الشر ..فإن اللّه يعينه على الهدى كما قال: «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» ..ويظفر الإنسان بالحسنة ..ولا يهم أن تكون من الظواهر التي يحسبها الناس من الخارج كسبا ..إنما هي الحسنة فعلا في ميزان اللّه تعالى ..وتكون من عند اللّه.لأن اللّه هو الذي سن المنهج وشرع الطريق ودل على الخير وحذر من الشر ..وحين لا يتبع الإنسان منهج اللّه الذي سنه،ولا يسلك طريقة الذي شرعه،ولا يحاول الخير الذي دله عليه،ولا يحذر الشر الذي حذره منه ..حينئذ تصيبه السيئة.السيئة الحقيقية.سواء في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا ..ويكون هذا من عند نفسه.لأنه هو الذي لم يتبع منهج اللّه وطريقه ..