فهرس الكتاب
وهذا معنى غير المعنى الأول،ومجال غير المجال الأول ..كما هو واضح فيما نحسب ..
ولا يغير هذا من الحقيقة الأولى شيئا.وهي أن تحقق الحسنة،وتحقق السيئة ووقوعهما لا يتم إلا بقدرة اللّه وقدره.لأنه المنشئ لكل ما ينشأ.المحدث لكل ما يحدث.الخالق لكل ما يكون ..أيا كانت ملابسة إرادة الناس وعملهم في هذا الذي يحدث،وهذا الذي يكون [1]
ثم يبين لهم حدود وظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعمله وموقف الناس منه،وموقفه من الناس.ويرد الأمر كله إلى اللّه في النهاية: «وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا.وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا.مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ.وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا» ..
إن وظيفة الرسول هي أداء الرسالة.لا إحداث الخير ولا إحداث السوء.فهذا من أمر اللّه - كما سلف - واللّه شهيد على أنه أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - لأداء هذه الوظيفة «وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا» ..
وأمر الناس مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن من أطاعه فقد أطاع اللّه.فلا تفرقة بين اللّه ورسوله.
ولا بين قول اللّه وقول رسوله ..ومن تولى معرضا مكذبا فأمره إلى اللّه من ناحية حسابه وجزائه.ولم يرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليجبره على الهدى،ويكرهه على الدين،وليس موكلا بحفظه من العصيان والضلال.فهذا ليس داخلا في وظيفة الرسول ولا داخلا في قدرة الرسول.
بهذا البيان يصحح تصورهم عن حقيقة ما يقع لهم ..فكله لا ينشأ ولا يتحقق إلا بإرادة اللّه وقدره.وما يصيبهم من حسنة أو سيئة - بأي معنى من معاني الحسنة أو السيئة،سواء حسب ما يرونه هم في الظاهر،أو ما هو في حقيقة الأمر والواقع - فهو من عند اللّه.لأنه لا ينشئ شيئا ولا يحدثه ولا يخلقه ويوجده إلا اللّه ..وما يصيبهم من حسنة حقيقية - في ميزان اللّه - فهو من عند اللّه،لأنه بسبب منهجه وهدايته.وما يصيبهم من سيئة حقيقية - في ميزان اللّه - فهو من عند أنفسهم،لأنه بسبب تنكبهم عن منهج اللّه والإعراض عن هدايته ..
والرسول وظيفته الأولى والأخيرة أنه رسول.لا ينشىء ولا يحدث ولا يخلق.ولا يشارك اللّه تعالى في خاصية الألوهية هذه:وهي الخلق والإنشاء والإحداث.وهو يبلغ ما جاء به من عند اللّه،فطاعته فيما يأمر به إذن هي طاعة للّه.وليس هناك طريق آخر لطاعة اللّه غير طاعة الرسول.والرسول ليس مكلفا أن يحدث الهدى للمعرضين المتولين،ولا أن يحفظهم من الإعراض والتولي.بعد البلاغ والبيان ..
(1) - أما القضية التي تمثل هذه النصوص جانبا منها،أو التي تذكر بها،وهي قضية الجبر والاختيار،وإلى أي حد تعمل إرادة الإنسان فيما يحدث منه أو يحدث له؟ وكيف تكون له إرادة يقوم عليها الحساب والجزاء بينما إرادة اللّه هي المنشئة لكل ما يحدث،ومنه إرادة الإنسان نفسه واتجاهه وعمله ...إلى آخر هذه القضية ..فالنصوص القرآنية تقول:إن كل ما يحدث بإرادة اللّه وقدره.وتقول في الوقت ذاته:إن الإنسان يريد ويعمل ويحاسب على إرادته وعمله ..والقرآن كله كلام اللّه.ولن يعارض بعضه بعضا.فلا بد إذن أن تكون هناك نسبة معينة بين هذا القول وذاك.ولا بد إذن أن يكون هناك مجال لإرادة الإنسان وعمله يكفي لحسابه عليه وجزائه،دون أن يتعارض هذا مع مجال الإرادة الربانية والقدر الإلهي.كيف؟ هذا ما لا سبيل لبيانه،لأن العقل البشري غير كفء لإدراك كيفيات عمل اللّه! ( السيد رحمه الله )