إثما يعاقبه عليه فيدعه موزعا بين ميل لا يملكه وأمر لا يطيقه! بل إنه يصارح الناس بأنهم لن يستطيعوا أن يعدلوا بين النساء - ولو حرصوا - لأن الأمر خارج عن إرادتهم ..ولكن هنالك ما هو داخل في إرادتهم.هناك العدل في المعاملة.العدل في القسمة.العدل في النفقة.العدل في الحقوق الزوجية كلها،حتى الابتسامة في الوجه،والكلمة الطيبة باللسان ..وهذا ما هم مطالبون به.هذا هو الخطام الذي يقود ذلك الميل.لينظمه لا ليقتله! «فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ» ..
فهذا هو المنهي عنه.الميل في المعاملة الظاهرة،والميل الذي يحرم الأخرى حقوقها فلا تكون زوجة ولا تكون مطلقة ..ومعه الهتاف المؤثر العميق في النفوس المؤمنة والتجاوز عما ليس في طاقة الإنسان.
«وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا» .
ولأن الإسلام يتعامل مع النفس البشرية بجملة ما فيها من مزاج فريد مؤلف من القبضة من الطين والنفخة من روح اللّه.وبجملة ما فيها من استعدادات وطاقات.وبواقعيتها المثالية،أو مثاليتها الواقعية،التي تضع قدميها على الأرض،وترف بروحها إلى السماء،دون تناقض ودون انفصام.
لأن الإسلام كذلك ..كان نبي الإسلام - صلى الله عليه وسلم - هو الصورة الكاملة للإنسانية حين تبلغ أوجها من الكمال فتنمو فيها جميع الخصائص والطاقات نموا متوازنا متكاملا في حدود فطرة الإنسان.
وكان هذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم بين نسائه فيما يملك،ويعدل في هذه القسمة،لا ينكر أنه يؤثر بعضهن على بعض.وأن هذا خارج عما يملك.فعَنْ عَائِشَةَ،أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ وَيَقُولُ:"اللهُمَّ إنَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ"يَعْنِى الْقَلْبَ. (أخرجه أبو داود) [1] ..
فأما حين تجف القلوب،فلا تطيق هذه الصلة ولا يبقى في نفوس الزوجين ما تستقيم معه الحياة،فالتفرق إذن خير.لأن الإسلام لا يمسك الأزواج بالسلاسل والحبال،ولا بالقيود والأغلال إنما يمسكهم بالمودة والرحمة أو بالواجب والتجمل.فإذا بلغ الحال أن لا تبلغ هذه الوسائل كلها علاج
(1) - سنن أبي داود - المكنز - (2136 ) وشرح مشكل الآثار - (1 / 214) (232 ) صحيح
وَهُوَ غَيْرُ مَلُومٍ فِي ذَلِكَ إذْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ فَكَانَ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ عَلَى الْإِشْفَاقِ وَالرَّحْمَةِ مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ اللهِ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ مِنْهُ فِي قِسْمَتِهِ بَيْنَهُنَّ،وَإِنْ كَانَ لَمْ يَخْرُجْ فِيهَا عَنِ الْعَدْلِ مَيْلًا مِنْ قَلْبِهِ إلَى بَعْضِهِنَّ بِمَا لَمْ يَمِلْ بِمِثْلِهِ إلَى بَقِيَّتِهِنَّ،وَذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَمِمَّا الْعِبَادُ فِيهِ سَوَاءٌ كَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي التَّحْذِيرِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ ،فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ:"مَنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَتَانِ فَكَانَ يَمِيلُ مَعَ إحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ، أَوْ قَالَ:سَاقِطٌ"وَقَدْ رُوِيَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: { وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ } [النساء:129] .أَنَّ ذَلِكَ أُرِيدَ بِهِ مَا يَقَعُ فِي قُلُوبِكُمْ لِبَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ،وَذَلِكَ مَعْفُوٌّ لَهُمْ عَنْهُ إذْ لَا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ عَنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ مَا يَجْتَلِبُوهُ إلَى قُلُوبِهِمْ فَكَانَ الَّذِي كَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّا أَرَادَهُ مِنْ رَبِّهِ عَلَى الْإِشْفَاقِ وَعَلَى الرَّهْبَةِ مِمَّا يَسْبِقُ إلَى قَلْبِهِ مِمَّا قَدْ يَسْتَطِيعُ رَدَّهُ عَنْهُ مَعَ قُرْبِهِ مِنْ غَلَبَتِهِ عَلَيْهِ،وَهَذَا عِنْدَنَا وَاللهُ أَعْلَمُ مِثْلُ الَّذِي فِي حَدِيثِ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيِّ مِمَّا قَدْ عَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إيَّاهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ رَبَّهُ تَعَالَى أَنْ يَغْفِرَ لَهُ مَا أَخْطَأَ، وَمَا تَعَمَّدَ، وَمَا أَخْطَأَهُ فَهُوَ غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِهِ لَمَّا خَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ تَقَرُّبُهُ مِمَّا تَعَمَّدَهُ وَقَدْ رَوَيْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي كِتَابِنَا هَذَا، وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ .شرح مشكل الآثار - (1 / 215) (233 -234) صحيح