فهرس الكتاب

الصفحة 1167 من 4997

ونعود من هذا الاستطراد،مع عودة السياق القرآني إلى بقية هذا الاستدراك: «وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا» .

وقد اختلف السلف في مدلول هذه الآية،باختلافهم في عائد الضمير في «موته» فقال جماعة:وما من أهل الكتاب من أحد إلا يؤمن بعيسى - عليه السلام - قبل موته - أي عيسى - وذلك على القول بنزوله قبيل الساعة ..وقال جماعة وما من أهل الكتاب من أحد إلا يؤمن بعيسى قبل موته ..أي موت الكتابي - وذلك على القول بأن الميت - وهو في سكرات الموت - يتبين له الحق،حيث لا ينفعه أن يعلم!

ونحن أميل إلى هذا القول الثاني الذي ترشح له قراءة أبيّ: «إلا ليؤمننّ به قبل موتهم» ..فهذه القراءة تشير إلى عائد الضمير وأنه أهل الكتاب ..وعلى هذا الوجه يكون المعنى:أن اليهود الذين كفروا بعيسى - عليه السلام - وما زالوا على كفرهم به،وقالوا:إنهم قتلوه وصلبوه،ما من أحد منهم يدركه الموت،حتى تكشف له الحقيقة عند حشرجة الروح،فيرى أن عيسى حق،ورسالته حق،فيؤمن به،ولكن حين لا ينفعه إيمان ..ويوم القيامة يكون عيسى عليهم شهيدا. [1]

(1) - قلت:الصواب القول الأول ،فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ:"يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَتَضَعُ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وَيُعْطَى الْمَالُ حَتَّى لا يُقْبَلَ، وَيُجْمَعُ لَهُ الصَّلاةُ، وَيَأْتِي الرَّوْحَاءَ، فَيَحُجَّ مِنْهَا أَوْ يَعْتَمِرَ أَوْ يَجْمَعَهَا اللَّهُ لَهُ"، ثُمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ:"وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ"،قال:قبل مَوْتِ عِيسَى،قَالَ حَنْظَلَةُ:فَلا أَدْرِي هَذَا أَصْلُهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، أَوْ قَوْلًًاًًًًًًًٌ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ"تفسير ابن أبي حاتم - (4 / 436) (6282) صحيح"

وإن قال بالقول الثاني الذي رجحه السيد رحمه الله جمع من الصحابة والتابعين،وهذا تفصيل الأقوال

قال ابن كثير رحمه الله:

"والضمير في قوله: { قَبْلَ مَوْتِهِ } عائد على عيسى، عليه السلام، أي:وإن من أهل الكتاب إلا يؤمن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، على ما سيأتي بيانه، فحينئذ يؤمن به أهل الكتاب كلّهم؛ لأنه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام.تفسير ابن كثير - دار طيبة - (2 / 47) "

وقال أيضًا:

"وقوله تعالى: { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا } "

قال ابن جرير:اختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم:معنى ذلك: { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ } يعني بعيسى { قَبْلَ مَوْتِهِ } يعنى:قبل موت عيسى-يُوَجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإسلام الحنيفية، دين إبراهيم، عليه السلام.

ذكر من قال ذلك:

حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن أبي حُصَين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } قال:قبل موت عيسى ابن مريم.وقال العوفي عن ابن عباس مثل ذلك .

وقال أبو مالك في قوله: { إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } قال:ذلك عند نزول عيسى ابن مريم، عليه السلام، لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به.

وقال الضحاك، عن ابن عباس: { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } يعني:اليهود خاصة.وقال الحسن البصري:يعني النجاشي وأصحابه.ورواهما ابن أبي حاتم.

وقال ابن جرير:وحدثني يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّة، حدثنا أبو رجاء، عن الحسن: { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } قال:قبل موت عيسى.والله إنه الآن حي عند الله، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون.

وقال ابن أبي حاتم:حدثنا أبي، حدثنا علي بن عثمان اللاحقي، حدثنا جويرية بن بشر قال:سمعت رجلا قال للحسن:يا أبا سعيد، قول الله، [عز وجل] { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } قال:"قبل موت عيسى.إن الله رفع إليه عيسى [إليه] وهو باعثه قبل يوم القيامة مقامًا يؤمن به البر والفاجر".

وكذا قال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد.وهذا القول هو الحق، كما سنبينه بعد بالدليل القاطع، إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان.

قال ابن جرير:

وقال آخرون:معنى ذلك: { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ } قبل موت الكتابي.ذكرَ من كان يُوَجه ذلك إلى أنه إذا عاين علم الحق من الباطل؛ لأن كل من نزل به الموت لم تخرج نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه.

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } قال لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى.

حدثني المثنى، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله: { إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } كل صاحب كتاب يؤمن بعيسى قبل موته -قبل موت صاحب الكتاب-وقال ابن عباس:لو ضربت عنقه لم تخرج نَفْسُه حتى يؤمن بعيسى.

حدثنا ابن حُمَيد، حدثنا أبو نُمَيْلة يحيى بن واضح، حدثنا حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال:لا يموت اليهودي حتى يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، ولو عجل عليه بالسلاح.

حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عتَّاب بن بَشِيرعن خُصَيْف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } قال:هي في قراءة أبي: { قَبْلَ مَوْتِهِمْ } ليس يهودي يموت أبدا حتى يؤمن بعيسى.قيل لابن عباس:أرأيت إن خَرّ من فوق بيت؟ قال:يتكلم به في الهُوِيّ.فقيل:أرأيت إن ضربت عنق أحد منهم؟ قال:يُلَجْلج بها لسانه.

وكذا رَوَى سفيان الثوري عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عباس: { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } قال:لا يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى، عليه السلام، وإن ضرب بالسيف تكلم به، قال:وإن هَوَى تكلم [به] وهو يَهْوي.

وكذا روى أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن أبي هارون الغَنَوي عن عكرمة، عن ابن عباس.فهذه كلها أسانيد صحيحة إلى ابن عباس، وكذا صَحّ عن مجاهد، وعكرمة، ومحمد بن سيرين.وبه يقول الضحاك وجُوَيْبر، والسدي، وحكاه عن ابن عباس، ونَقل قراءة أبيّ بن كعب:"قبل موتهم".

وقال عبد الرزاق، عن إسرائيل، عن فرات القزاز، عن الحسن في قوله: { إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } قال:لا يموت أحد منهم حتى يؤمن بعيسى قبل أن يموت.

وهذا يحتمل أن يكون مراد الحسن ما تقدم عنه، ويحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء .

قال ابن جرير:

وقال آخرون:معنى ذلك:وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قبل موت الكتابي.

ذكر من قال ذلك:

حدثني ابن المثنى، حدثنا الحجاج بن مِنْهال، حدثنا حماد، عن حميد قال:قال عكرمة:لا يموت النصراني ولا اليهودي حتى يؤمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - في قوله: { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ }

ثم قال ابن جرير:وأولى هذه الأقوال بالصحة القولُ الأولُ، وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى، عليه السلام، إلا آمن به قبل موته، أي قبل موت عيسى، عليه السلام""

ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير، رحمه [الله] هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة -التي سنوردها إن شاء الله قريبا-فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية -يعني:لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف-فأخبرت هذه الآية الكريمة أن يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم؛ ولهذا قال: { وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } أي:قبل موت عيسى، الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب.تفسير ابن كثير - دار طيبة - (2 / 452) وانظر كتابي الخلاصة في أشراط الساعة الكبرى - (1 / 34) المبحث الثالث -نزول عيسى ابن مريم عليه السلام،ففيه تفصيل ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت