فهرس الكتاب

الصفحة 1206 من 4997

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» ..إنه لا بد من ضوابط للحياة ..حياة المرء مع نفسه التي بين جنبيه وحياته مع غيره من الناس ومن الأحياء والأشياء عامة ..الناس من الأقربين والأبعدين،من الأهل والعشيرة،ومن الجماعة والأمة ومن الأصدقاء والأعداء ..والأحياء مما سخر اللّه للإنسان ومما لم يسخر ..والأشياء مما يحيط بالإنسان في هذا الكون العريض ..ثم ..حياته مع ربه ومولاه وعلاقته به وهي أساس كل حياة.

والإسلام يقيم هذه الضوابط في حياة الناس.يقيمها ويحددها بدقة ووضوح ويربطها كلها باللّه سبحانه ويكفل لها الاحترام الواجب،فلا تنتهك،ولا يستهزأ بها ولا يكون الأمر فيها للأهواء والشهوات المتقلبة ولا للمصالح العارضة التي يراها فرد،أو تراها مجموعة أو تراها أمة،أو يراها جيل من الناس فيحطمون في سبيلها تلك الضوابط ..فهذه الضوابط التي أقامها اللّه وحددها هي «المصلحة» ما دام أن اللّه هو الذي أقامها للناس ..هي المصلحة ولو رأى فرد،أو رأت مجموعة أو رأت أمة من الناس أو جيل أن المصلحة غيرها! فاللّه يعلم والناس لا يعلمون! وما يقرره اللّه خير لهم مما يقررون! وأدنى مراتب الأدب مع اللّه - سبحانه - أن يتهم الإنسان تقديره الذاتي للمصلحة أمام تقدير اللّه.أما حقيقة الأدب فهي ألا يكون له تقدير إلا ما قدر اللّه.وألا يكون له مع تقدير اللّه،إلا الطاعة والقبول والاستسلام،مع الرضى والثقة والاطمئنان ..

هذه الضوابط يسميها اللّه «العقود» ..ويأمر الذين آمنوا به أن يوفوا بهذه العقود ..

وافتتاح هذه السورة بالأمر بالوفاء بالعقود،ثم المضي بعد هذا الافتتاح في بيان الحلال والحرام من الذبائح والمطاعم والمشارب والمناكح.وفي بيان الكثير من الأحكام الشرعية والتعبدية.وفي بيان حقيقة العقيدة الصحيحة.

وفي بيان حقيقة العبودية وحقيقة الألوهية.وفي بيان علاقات الأمة المؤمنة بشتى الأمم والملل والنحل.وفي بيان تكاليف الأمة المؤمنة في القيام للّه والشهادة بالقسط والوصاية على البشرية بكتابها المهيمن على كل الكتب قبلها،والحكم فيها بما أنزل اللّه كله والحذر من الفتنة عن بعض ما أنزل اللّه والحذر من عدم العدل تأثرا بالمشاعر الشخصية والمودة والشنآن ..

افتتاح السورة على هذا النحو،والمضي فيها على هذا النهج يعطي كلمة «العقود» معنى أوسع من المعنى الذي يتبادر إلى الذهن لأول وهلة.ويكشف عن أن المقصود بالعقود هو كل ضوابط الحياة التي قررها اللّه ..وفي أولها عقد الإيمان باللّه ومعرفة حقيقة ألوهيته سبحانه،ومقتضى العبودية لألوهيته ..هذا العقد الذي تنبثق منه،وتقوم عليه سائر العقود وسائر الضوابط في الحياة.

وعقد الإيمان باللّه والاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته ومقتضيات هذا الاعتراف من العبودية الكاملة،والالتزام الشامل والطاعة المطلقة والاستسلام العميق ..هذا العقد أخذه اللّه ابتداء على آدم - عليه السلام - وهو يسلمه مقاليد الخلافة في الأرض،بشرط وعقد هذا نصه القرآني:«قُلْنَا:اهْبِطُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت