فهرس الكتاب

الصفحة 1207 من 4997

مِنْها جَمِيعًا.فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً،فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» ..فهي خلافة مشروطة باتباع هدى اللّه الذي ينزله في كتبه على رسله وإلا فهي المخالفة لعقد الخلافة والتمليك.المخالفة التي تجعل كل عمل مخالف لما أنزل اللّه،باطلا بطلانا أصليا،غير قابل للتصحيح المستأنف! وتحتم على كل مؤمن باللّه،يريد الوفاء بعقد اللّه،أن يرد هذا الباطل،ولا يعترف به ولا يقبل التعامل على أساسه.وإلا فما أوفى بعقد اللّه.

ولقد تكرر هذا العقد - أو هذا العهد - مع ذرية آدم.وهم بعد في ظهور آبائهم.كما ورد في السورة الأخرى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ،وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ:أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا:بَلى شَهِدْنا! أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ.أَوْ تَقُولُوا:إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ.أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ؟» ..فهذا عقد آخر مع كل فرد عقد يقرر اللّه - سبحانه - أنه أخذه على بني آدم كلهم وهم في ظهور آبائهم ..وليس لنا أن نسأل:كيف؟ لأن اللّه أعلم بخلقه وأعلم كيف يخاطبهم في كل طور من أطوار حياتهم.بما يلزمهم الحجة.وهو يقول:إنه أخذ عليهم هذا العهد،على ربوبيته لهم ..فلا بد أن ذلك كان،كما قال اللّه سبحانه ..فإذا لم يفوا بتعاقدهم هذا مع ربهم لم يكونوا أوفياء! ولقد أخذ اللّه ميثاق بني إسرائيل - كما سيجيء في السورة - يوم نتق الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم ..وسنعلم - من السياق - كيف لم يفوا بالميثاق وكيف نالهم من اللّه ما ينال كل من ينقض الميثاق.

والذين آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - قد تعاقدوا مع اللّه - على يديه - تعاقدا عاما على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا،وأثرة علينا،وألا ننازع الأمر أهله» [1] .

وبعضهم وقعت له بعد ذلك عقود خاصة قائمة على ذلك التعاقد العام ..ففي بيعة العقبة الثانية التي ترتبت عليها هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة،كان هناك عقد مع نقباء الأنصار ..وفي الحديبية كان هناك عقد الشجرة وهو «بيعة الرضوان» .

وعلى عقد الإيمان باللّه،والعبودية للّه،تقوم سائر العقود ..سواء ما يختص منها بكل أمر وكل نهي في شريعة اللّه،وما يتعلق بكل المعاملات مع الناس والأحياء والأشياء في هذا الكون في حدود ما شرع اللّه - فكلها عقود ينادي اللّه الذين آمنوا،بصفتهم هذه،أن يوفوا بها.إذ أن صفة الإيمان ملزمة لهم بهذا الوفاء،مستحثة لهم كذلك على الوفاء ..ومن ثم كان هذا النداء: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»

(1) - عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِى أُمَيَّةَ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَهْوَ مَرِيضٌ قُلْنَا أَصْلَحَكَ اللَّهُ حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - .قَالَ دَعَانَا النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فَبَايَعْنَاهُ ،فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ،فِى مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا،وَعُسْرِنَا،وَيُسْرِنَا،وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا،وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ،إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا،عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ .صحيح البخارى- المكنز [23 /238] (7055 و 7056) وصحيح مسلم- المكنز [12 /261] (4877 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت