ونسيان وإهمال لأوامر دينهم وشريعتهم،وعدم تنفيذها في حياتهم ومجتمعهم،لأن تنفيذها يكلفهم الاستقامة على منهج اللّه الطاهر النظيف القويم.
«وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ،إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ...» ..وهو خطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - يصور حال يهود في المجتمع المسلم في المدينة.فهم لا يكفون عن محاولة خيانة رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وقد كانت لهم مواقف خيانة متواترة.بل كانت هذه هي حالهم طوال إقامتهم معه في المدينة - ثم في الجزيرة كلها - وما تزال هذه حالهم في المجتمع الإسلامي على مدار التاريخ.على الرغم من أن المجتمع الإسلامي هو المجتمع الوحيد الذي آواهم،ورفع عنهم الاضطهاد،وعاملهم بالحسنى،ومكن لهم من الحياة الرغيدة فيه.ولكنهم كانوا دائما - كما كانوا على عهد الرسول - عقارب وحيات وثعالب وذئابا تضمر المكر والخيانة،ولا تني تمكر وتغدر.إن أعوزتهم القدرة على التنكيل الظاهر بالمسلمين نصبوا لهم الشباك وأقاموا لهم المصائد،وتآمروا مع كل عدو لهم،حتى تحين الفرصة،فينقضوا عليهم،قساة جفاة لا يرحمونهم،ولا يرعون فيهم إلا ولا ذمة.أكثرهم كذلك ..كما وصفهم اللّه سبحانه في كتابه،وكما أنبأنا عن جبلتهم التي أورثها إياهم نقضهم لميثاق اللّه من قديم.
والتعبير القرآني الخاص عن واقع حال اليهود مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - في المدينة،تعبير طريف: «وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ» ..الفعلة الخائنة،والنية الخائنة،والكلمة الخائنة،والنظرة الخائنة ..يجملها النص بحذف الموصوف وإثبات الصفة .. «خائنة» ..لتبقى الخيانة وحدها مجردة،تملأ الجو،وتلقي ظلالها وحدها على القوم ..فهذا هو جوهر جبلتهم،وهذا هو جوهر موقفهم،مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومع الجماعة المسلمة ..
إن هذا القرآن هو معلم هذه الأمة ومرشدها ورائدها وحادي طريقها على طول الطريق.وهو يكشف لها عن حال أعدائها معها،وعن جبلتهم وعن تاريخهم مع هدى اللّه كله.ولو ظلت هذه الأمة تستشير قرآنها وتسمع توجيهاته وتقيم قواعده وتشريعاته في حياتها،ما استطاع أعداؤها أن ينالوا منها في يوم من الأيام ..ولكنها حين نقضت ميثاقها مع ربها وحين اتخذت القرآن مهجورا - وإن كانت ما تزال تتخذ منه ترانيم مطربة،وتعاويذ ورقى وأدعية! - أصابها ما أصابها.
ولقد كان اللّه - سبحانه - يقص عليها ما وقع لبني إسرائيل من اللعن والطرد وقسوة القلب وتحريف الكلم عن مواضعه،حين نقضوا ميثاقهم مع اللّه،لتحذر أن تنقض هي ميثاقها مع اللّه،فيصيبها ما يصيب كل ناكث للعهد،ناقض للعقد ..فلما غفلت عن هذا التحذير،وسارت في طريق غير الطريق،نزع اللّه منها قيادة البشرية وتركها هكذا ذيلا في القافلة! حتى تثوب إلى ربها وحتى تستمسك بعهدها،وحتى توفي بعقدها.فيفي لها اللّه بوعده من التمكين في الأرض ومن القيادة للبشر والشهادة على الناس ..وإلا بقيت هكذا ذيلا للقافلة ..وعد اللّه لا يخلف اللّه وعده ..