وليس هو مجرد الإيمان السلبي،إنما هو العمل الإيجابي في نصرة هؤلاء الرسل،وشد أزرهم فيما ندبهم اللّه له،وفيما وقفوا حياتهم كلها لأدائه ..فالإيمان بدين اللّه من مقتضاه أن ينهض المؤمن لينصر ما آمن به،وليقيمه في الأرض،وليحققه في حياة الناس.فدين اللّه ليس مجرد تصور اعتقادي،ولا مجرد شعائر تعبدية.إنما هو منهج واقعي للحياة.ونظام محدد يصرف شئون هذه الحياة.والمنهج والنظام في حاجة إلى نصرة،وتعزير،وإلى جهد وجهاد لتحقيقه ولحمايته بعد تحقيقه ..وإلا فما وفى المؤمن بالميثاق.
وبعد الزكاة إنفاق عام ..يقول عنه اللّه - سبحانه - إنه قرض للّه ..واللّه هو المالك،وهو الواهب ..
ولكنه - فضلا منه ومنة - يسمي ما ينفقه الموهوب له - متى أنفقه للّه - قرضا للّه ..
ذلك كان الشرط.فأما الجزاء فكان:تكفير السيئات ..والإنسان الذي لا يني يخطى ء،ولا يني يندفع إلى السيئة مهما جاء بالحسنة ..تكفير السيئات بالنسبة إليه جزاء ضخم ورحمة من اللّه واسعة،وتدارك لضعفه وعجزه وتقصيره ..
وجنة تجري من تحتها الأنهار ..وهي فضل خالص من اللّه،لا يبلغه الإنسان بعمله،إنما يبلغه بفضل من اللّه،حين يبذل الجهد،فيما يملك وفيما يطيق ..
وكان هنالك شرط جزائي في الميثاق: «فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ» ..
فلا هدى له بعد ذلك،ولا أوبة له من الضلال.بعد إذ تبين له الهدى،وتحدد معه العقد،ووضح له الطريق،وتأكد له الجزاء ..ذلك كان ميثاق اللّه مع نقباء بني إسرائيل ..عمن وراءهم.وقد ارتضوه جميعا فصار ميثاقا مع كل فرد فيهم،وميثاقا مع الأمة المؤلفة منهم ..فما ذا كان من بني إسرائيل! لقد نقضوا ميثاقهم مع اللّه ..قتلوا أنبياءهم بغير حق،وبيتوا القتل والصلب لعيسى عليه السلام - وهو آخر أنبيائهم - وحرفوا كتابهم - التوراة - ونسوا شرائعها فلم ينفذوها،ووقفوا من خاتم الأنبياء - عليه الصلاة والسلام - موقفا لئيما ماكرا عنيدا،وخانوه وخانوا مواثيقهم معه.فباءوا بالطرد من هدى اللّه،وقست قلوبهم فلم تعد صالحة لاستقبال هذا الهدى .. «فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً،يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ،وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ...» وصدق اللّه.فهذه سمات يهود التي لا تفارقهم ..لعنة تبدو على سيماهم،إذ تنضح بها جبلتهم الملعونة المطرودة من الهداية.وقسوة تبدو في ملامحهم الناضبة من بشاشة الرحمة،وفي تصرفاتهم الخالية من المشاعر الإنسانية،ومهما حاولوا - مكرا - إبداء اللين في القول عند الخوف وعند المصلحة،والنعومة في الملمس عند الكيد والوقيعة،فإن جفاف الملامح والسمات ينضح ويشي بجفاف القلوب والأفئدة ..وطابعهم الأصيل هو تحريف الكلم عن مواضعه.تحريف كتابهم أولا عن صورته التي أنزلها اللّه على موسى - عليه السلام - إما بإضافة الكثير إليه مما يتضمن أهدافهم الملتوية ويبررها بنصوص من الكتاب مزورة على اللّه! وإما بتفسير النصوص الأصلية.الباقية وفق الهوى والمصلحة والهدف الخبيث!