ولا نملك أن نمضي في تفصيل اختلافات الفقهاء في هذا المجال،فتطلب في كتب الفقه وحسبنا هذه الأمثلة للدلالة على سماحة الإسلام وحرصه على ألا يأخذ الناس بالشبهات ..ورسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يقول: « ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ » [1]
وعَنْ إِبْرَاهِيمَ،قَالَ:قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ:"لَئِنْ أُعَطِّلَ الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقِيمَهَا بِالشُّبُهَاتِ" [2]
ولكن لا بد من كلمة في ملاءمة عقوبة القطع في السرقة بعد بيان موجبات التشدد في أخذ السارق بالحد،في المجتمع المسلم في دار الإسلام بعد توافر أسباب الوقاية وضمانات العدالة ..
«وعلة فرض عقوبة القطع للسرقة أن السارق حينما يفكر في السرقة إنما يفكر في أن يزيد كسبه بكسب غيره.فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال،ويريد أن ينميه من طريق الحرام.وهو لا يكتفي بثمرة عمله،فيطمع في ثمرة عمل غيره.وهو يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق أو الظهور،أو ليرتاح من عناء الكد والعمل.أو ليأمن على مستقبله.فالدافع الذي يدفع إلى السرقة ويرجع إلى هذه الاعتبار ات هو زيادة الكسب أو زيادة الثراء ..وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع.لأن قطع اليد أو الرجل يؤدي إلى نقص الكسب،إذ اليد والرجل كلاهما أداة العمل أيا كان.ونقص الكسب يؤدي إلى نقص الثراء.وهذا يؤدي إلى نقص القدرة على الإنفاق وعلى الظهور،ويدعو إلى شدة الكدح وكثرة العمل،والتخوف الشديد على المستقبل.
«فالشريعة الإسلامية بتقريرها عقوبة القطع دفعت العوامل النفسية التي تدعو لارتكاب الجريمة بعوامل نفسية مضادة تصرف عن جريمة السرقة.فإذا تغلبت العوامل النفسية الداعية،وارتكب الإنسان الجريمة مرة كان في العقوبة والمرارة التي تصيبه منها ما يغلب العوامل النفسية الصارفة،فلا يعود للجريمة مرة ثانية.
«ذلك هو الأساس الذي قامت عليه عقوبة السرقة في الشريعة الإسلامية.وإنه لعمري خير أساس قامت
عليه عقوبة السرقة من يوم نشأة عالمنا حتى الآن ...
(1) - أورده الباغندى في مسند عمر بن عبد العزيز (ص266،رقم 48- طبعة مكتبة دار الدعوة) ،وعزاه لأبى مسلم الكجى،وابن السمعانى في ذيل تاريخ بغداد .وأورده السخاوى في المقاصد (ص30،رقم 46) وعزاه لأبى سعد بن السمعانى في الذيل في ترجمة الحسين بن على بن أحمد الخياط المقرئ .قال العجلونى (1/73) :قال السخاوى:قال شيخنا - يعنى الحافظ ابن حجر-:وفى سنده من لا يعرف انتهى .
مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة [14 /452] (29085-29094) وموسوعة السنة النبوية لي [1 /305] (689 -691 ) ومعرفة السنن والآثار للبيهقي [13 /484] (5335-5338 ) موقوفة ومقطوعة بهذا المعنى وهذا المعنى متفق عليه بين الفقهاء
(2) - مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ (27935 ) وفيه انقطاع - يراجع كتاب:التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي لعبد القادر عودة.