فهرس الكتاب

الصفحة 1276 من 4997

الْعَزِيزَةُ،فَقَالَتْ:وَاللَّهِ مَا مُحَمَّدٌ بِمُعْطِيكُمْ مِنْهُمْ ضِعْفَ مَا يُعْطِيهِمْ مِنْكُمْ،وَلَقَدْ صَدَقُوا،مَا أَعْطَوْنَا هَذَا إِلاَّ ضَيْمًا مِنَّا،وَقَهْرًا لَهُمْ،فَدُسُّوا إِلَى مُحَمَّدٍ مَنْ يَخْبُرُ لَكُمْ رَأْيَهُ:إِنْ أَعْطَاكُمْ مَا تُرِيدُونَ حَكَّمْتُمُوهُ،وَإِنْ لَمْ يُعْطِكُمْ حَذِرْتُمْ،فَلَمْ تُحَكِّمُوهُ،فَدَسُّوا إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَاسًا مِنَ المُنَافِقِينَ لِيَخْبُرُوا لَهُمْ رَأْيَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَلَمَّا جَاءَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،أَخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأَمْرِهِمْ كُلِّهِ وَمَا أَرَادُوا،فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الذِينَ قَالُوا آمَنَّا} إِلَى قَوْلِهِ: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمِ الْفَاسِقُونَ} ثُمَّ قَالَ فِيهِمَا:وَاللَّهِ نَزَلَتْ،وَإِيَّاهُمَا عَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ." [1] .. وفي رواية لابن جرير عين فيها «العزيزة» وهي بنو النضير «والذليلة» وهي بنو قريظة [2] ..مما يدل - كما قلنا - على أن هذه الآيات نزلت مبكرة قبل إجلائهم والتنكيل بهم .."

وقد عقب السياق بسؤال استنكاري على موقف يهود - سواء كان في هذه القضية أو تلك فهو موقف عام منهم وتصرف مطرد - فقال: « وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ - وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ - ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ؟» ..فهي كبيرة مستنكرة أن يحكموا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فيحكم بشريعة اللّه وحكم اللّه،وعندهم - إلى جانب هذا - التوراة فيها شريعة اللّه وحكمه فيتطابق حكم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وما عندهم في التوراة مما جاء القرآن مصدقا له ومهيمنا عليه ..ثم من بعد ذلك يتولون ويعرضون.سواء كان التولي بعدم التزام الحكم أو بعدم الرضى به ..

ولا يكتفي السياق بالاستنكار.ولكنه يقرر الحكم الإسلامي في مثل هذا الموقف: «وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ» ..فما يمكن أن يجتمع الإيمان،وعدم تحكيم شريعة اللّه،أو عدم الرضى بحكم هذه الشريعة.والذين يزعمون لأنفسهم أو لغيرهم أنهم «مؤمنون» ثم هم لا يحكمون شريعة اللّه في حياتهم،أو لا يرضون حكمها إذا طبق عليهم ..إنما يدعون دعوى كاذبة وإنما يصطدمون بهذا النص القاطع: «وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ» .فليس الأمر في هذا هو أمر عدم تحكيم شريعة اللّه من الحكام فحسب بل إنه كذلك عدم الرضى بحكم اللّه من المحكومين،يخرجهم من دائرة الإيمان،مهما ادعوه باللسان.

وهذا النص هنا يطابق النص الآخر،في سورة النساء: «فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ،ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ،وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» ..فكلاهما يتعلق بالمحكومين لا بالحكام.وكلاهما يخرج من الإيمان،وينفي صفة الإيمان عمن لا يرضى بحكم اللّه ورسوله،ومن يتولى عنه ويرفض قبوله.

(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (1 / 651) ( 2212) صحيح

(2) - انظر تفسير ابن كثير - دار طيبة - (3 / 118)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت