تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوانًا.وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا ..».
وكان هذا النهي عن إحلال الصيد وهم حرم وعن إحلال شعائر اللّه،أو الشهر الحرام أو الهدي والقلائد،أو قاصدي البيت الحرام،لا يرتب عقوبة في الدنيا على المخالف،إنما يلحقه الإثم ..فالآن يبين العقوبة وهي الكفارة «ليذوق وبال أمره» ويعلن العفو عما سلف من إحلال هذه المحارم ويهدد بانتقام اللّه ممن يعود بعد هذا البيان.
وتبدأ هذه الفقرة كما تبدأ كل فقرات هذا القطاع بالنداء المألوف: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» ..ثم يخبرهم أنهم مقدمون على امتحان من اللّه وابتلاء في أمر الصيد الذي نهوا عنه وهم محرمون: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ،لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ،فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ» ..إنه صيد سهل،يسوقه اللّه إليهم.صيد تناله أيديهم من قريب،وتناله رماحهم بلا مشقة.ولقد حكي أن اللّه ساق لهم هذا الصيد حتى لكان يطوف بخيامهم ومنازلهم من قريب! ..إنه الإغراء الذي يكون فيه الابتلاء ..إنه ذات الإغراء الذي عجزت بنو إسرائيل من قبل عن الصمود له،حين ألحوا على نبيهم موسى - عليه السّلام - أن يجعل اللّه لهم يوما للراحة والصلاة لا يشتغلون فيه بشيء من شئون المعاش.فجعل لهم السبت.
ثم ساق إليهم صيد البحر يجيئهم قاصدا الشاطئ متعرضا لأنظارهم في يوم السبت.فإذا لم يكن السبت اختفى،شأن السمك في الماء.فلم يطيقوا الوفاء بعهودهم مع اللّه وراحوا - في جبلة اليهود المعروفة - يحتالون على اللّه فيحوّطون على السمك يوم السبت ولا يصيدونه حتى إذا كان الصباح التالي عادوا فأمسكوه من التحويطة! وذلك الذي وجه اللّه - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - لأن يواجههم ويفضحهم به في قوله تعالى: «وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ،إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا،وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ.كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» ..هذا الابتلاء بعينه ابتلى به اللّه الأمة المسلمة،فنجحت حيث أخفقت يهود ..وكان هذا مصداق قول اللّه سبحانه في هذه الأمة: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ.مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ» ..
ولقد نجحت هذه الأمة في مواطن كثيرة حيث أخفق بنو إسرائيل.ومن ثم نزع اللّه الخلافة في الأرض من بني إسرائيل وائتمن عليها هذه الأمة.ومكن لها في الأرض ما لم يمكن لأمة قبلها.إذ أن منهج اللّه لم يتمثل تمثلا كاملا في نظام واقعي يحكم الحياة.كلها كما تمثل في خلافة الأمة المسلمة ..ذلك يوم أن كانت مسلمة.يوم أن كانت تعلم أن الإسلام هو أن يتمثل دين اللّه وشريعته في حياة البشر.وتعلم أنها هي المؤتمنة على هذه الأمانة الضخمة وأنها هي الوصية على البشرية لتقيم فيها منهج اللّه،وتقوم عليه بأمانة اللّه.