فهرس الكتاب

الصفحة 1375 من 4997

ولقد كان هذا الاختبار بالصيد السهل في أثناء فترة الإحرام أحد الاختبارات التي اجتازتها هذه الأمة بنجاح.وكانت عناية اللّه - سبحانه - بتربية هذه الأمة بمثل هذه الاختبارات من مظاهر رعايته واصطفائه.ولقد كشف اللّه للذين آمنوا في هذا الحادث عن حكمة الابتلاء: «لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ» ..إن مخافة اللّه بالغيب هي قاعدة هذه العقيدة في ضمير المسلم.القاعدة الصلبة التي يقوم عليها بناء العقيدة،وبناء السلوك،وتناط بها أمانة الخلافة في الأرض بمنهج اللّه القويم ..

إن الناس لا يرون اللّه ولكنهم يجدونه في نفوسهم حين يؤمنون ..إنه تعالى بالنسبة لهم غيب،ولكن قلوبهم تعرفه بالغيب وتخافه.إن استقرار هذه الحقيقة الهائلة - حقيقة الإيمان باللّه بالغيب ومخافته - والاستغناء عن رؤية الحس والمشاهدة والشعور بهذا الغيب شعورا يوازي - بل يرجح - الشهادة حتى ليؤدي المؤمن شهادة:بأن لا إله إلا اللّه.وهو لم ير اللّه ..إن استقرار هذه الحقيقة على هذا النحو يعبر عن نقلة ضخمة في ارتقاء الكائن البشري،وانطلاق طاقاته الفطرية،واستخدام أجهزته المركوزة في تكوينه الفطري على الوجه الأكمل وابتعاده - بمقدار هذا الارتقاء - عن عالم البهيمة التي لا تعرف الغيب - بالمستوى الذي تهيأ له الإنسان - بينما يعبر انغلاق روحه عن رؤية ما وراء الحس،وانكماش إحساسه في دائرة المحسوس،عن تعطل أجهزة الالتقاط والاتصال الراقية فيه وانتكاسه إلى المستوي الحيواني في الحس «المادي» ! ومن ثم يجعلها اللّه سبحانه حكمة لهذا الابتلاء ويكشف للذين آمنوا عن هذه الحكمة كي تحتشد نفوسهم لتحقيقها ..

واللّه سبحانه يعلم علما لدنّياّ من يخافه بالغيب.ولكنه - سبحانه - لا يحاسب الناس على ما يعلمه عنهم علما.لدنيا.إنما يحاسبهم على ما يقع منهم فيعلمه اللّه - سبحانه - علم وقوع ..

« فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ» ..فقد أخبر بالابتلاء ،وعرف حكمة تعرضه له،وحذر من الوقوع فيه وبذلت له كل أسباب النجاح فيه ..

فإذا هو اعتدى - بعد ذلك - كان العذاب الأليم جزاء حقا وعدلا وقد اختار بنفسه هذا الجزاء واستحقه فعلا.

بعد هذا يجيء تفصيل كفارة المخالفة مبدوءا بالنهي مختوما بالتهديد مرة أخرى: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ.وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ،أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ،أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا،لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ.عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ،وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ،وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ» ..

إن النهي ينصب على قتل المحرم للصيد عمدا.فأما إذا قتله خطأ فلا إثم عليه ولا كفارة ..فإذا كان القتل عمدا فكفارته أن يذبح بهيمة من الأنعام من مستوى الصيد الذي قتله.فالغزالة مثلا تجزئ فيها نعجة أو عنزة.والأيّل تجزئ فيه بقرة.والنعامة والزرافة وما إليها تجزئ فيها بدنة ..والأرنب والقط وأمثالهما يجزئ فيه أرنب.وما لا مقابل له من البهيمة يجزئ عنه ما يوازي قيمته ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت