فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 4997

وقد يقال:إنَّ هذا من اختلاف التضاد الذي لم يبين فيه المصيب،لكن كل من المختلفين محمود لأنَّهُ اجتهد،فإنَّ اختلافَ التنوع كل من المختلفين فيه مصيب،وكل منهما محمود،ولعل المثال البيّن لهذا هو الاختلاف في القراءات من اختلاف التنوع،وكالاختلاف فيما أقرَّ الله عباده عليه من تصرفاتهم،كما في قوله تعالى: (( مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ) ) (الحشر:5) .

فهذا كله اختلاف تنوع لا يُذم فيه أحد من المختلفين،بل كل من المختلفين محمود،وكل من المختلفين على حق،وهؤلاءِ إنما يُؤتون إذا بغى بعضهم على بعض،وأنكر بعضهم ما عند الآخر،مع أنَّ كلًا منهما على الحق وكل منهما مصيب .

النوع الثاني:من الاختلاف الذي يكون بين السلف الصالح وأتباعهم،هو اختلاف التضاد،وهذا يمكن أن أقول:إنه نوعان:

الأول:اختلاف قام الدليل على تصويب أحد المذهبين،فهذا القولُ الذي وافق الدليل هو الحق وما خالفه خطأ،ولكن حيث كان المختلفون مجتهدين فكل منهما محمود ومأجور،- وإن كان أحد من المختلِفين أو المختلفَين أفضل من الآخر - فمن اجتهد وأصاب الحق فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد،فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -:إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ،فَاجْتَهَدَ،فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ. [1]

وعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ،أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ،ثُمَّ أَصَابَ،فَلَهُ أَجْرَانِ،وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ،ثُمَّ أَخْطَأَ،فَلَهُ أَجْرٌ. [2]

يعني وخطؤهُ مغفور،لقوله سبحانه وتعالى: (( َلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) ) (الأحزاب:من الآية5) .

وحينئذٍ فكل من المختلفين،وإن كان القولان متضادين - محمود وكل منهما مأجور - وإنَّ كان الحقُّ مع أحدهما .

الثاني من اختلاف التضاد:اختلاف لا يتبين فيه الصواب،وليس هناك دليل يعتمدُ عليه لواحد من المذهبين،بل يكون منشأ القولين هو محض الاجتهاد،فهذا الاختلاف الذي إذا لم يعارض دليلًا شرعيًا،ولم يُبْن أحد القولين على دليلٍ يعيّن أنه هو الصواب،فيبقى القولان سائغين،وكل من المختلفين محمود عل اجتهادهِ مأجور،على اجتهاده والله أعلم بالصواب.

وبعد هذا العرض لتنوع الاختلاف،فيجبُ على المسلمِ أن يعتصم بحبل الله،فيتمسكُ بكتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - في العلم وفي العمل،وفي الحكم بين الناس،قال تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا

(1) - صحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [11 /446] (5060) صحيح

(2) - أخرجه الجماعة المسند الجامع [14 /255] (10754)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت