فهرس الكتاب
لَكاذِبُونَ.وَقالُوا:إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ.وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ:أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ؟ قالُوا:بَلى وَرَبِّنا! قالَ:فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ،حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا:يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها،وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ،أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ! وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ.وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ،أَفَلا تَعْقِلُونَ» ..
ثم تبدأ موجة خامسة،يلتفت فيها السياق إلى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يسليه ويسري عنه ما يحزنه من تكذيبهم له ولما جاءهم من عند اللّه به.ويجعل له أسوة في الرسل قبله ممن صبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصر اللّه.ويقرر أن سنة اللّه لا تتبدل،ولكنها كذلك لا تستعجل! فإن كان - صلى الله عليه وسلم - لا يصبر على إعراضهم،فليبذل جهده البشري في إتيانهم بخارقة! ولو شاء اللّه لجمعهم على الهدى.
إنما اقتضت مشيئته في خلقه - وهو وحده صاحب الأمر المتصرف - أن يستجيب الذين لا تتعطل أجهزتهم الفطرية عن التلقي.والموتى لا حياة فيهم فهم لا يستقبلون موحيات الهدى ولا يستجيبون.واللّه يبعثهم،وهم إليه يرجعون ..
«قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون،فإنهم لا يكذبونك،ولكن الظالمين بآيات اللّه يجحدون.ولقد كذبت رسل من قبلك،فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا،ولا مبدل لكلمات اللّه،ولقد جاءك من نبأ المرسلين.وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية.ولو شاء اللّه لجمعهم على الهدى،فلا تكونن من الجاهلين.إنما يستجيب الذين يسمعون،والموتى يبعثهم اللّه،ثم إليه يرجعون» ..
وهكذا يمضي سياق السورة موجة في إثر موجة على هذا النسق الذي عرضنا منه نماذج،لعلها تصور طبيعة السورة،كما تصور موضوعها ..وهي تبلغ في بعض موجاتها ذروة أعلى من ذرى هذه الموجات التي استعرضناها كما أن تدفقها في بعض المسالك أشد جيشانا وأعلى إيقاعا ..ولكننا لا نملك أن نستعرض السورة كلها في هذا التعريف المجمل،وسيأتي شيء من ذلك في الفقرة التالية ..
ولقد سبق القول بأن هذه السورة تعالج موضوعها الأساسي بصورة فريدة،إذ أنها في كل لمحة منها وفي كل موقف وفي كل مشهد،تبلغ حد «الروعة الباهرة» التي تبده النفس وتشده الحس،وتبهر النفس وهو يلاحق مشاهدها وإيقاعاتها وموحياتها ..
فالآن ندع نصوصا من السورة ذاتها تصور هذه الحقيقة بأسلوبها القرآني.ذلك أن الوصف مهما بلغ،لا يبلغ شيئا في نقل هذه الحقيقة إلى القلب البشري! إن تقرير حقيقة الألوهية،وتعريف الناس بربهم الحق،وتعبيدهم له وحده،هو الموضوع الأساسي للسورة.
فلنسمع إذن تقرير السياق القرآني لهذه الحقيقة في مواقف منه شتى: