فهرس الكتاب
إن الذي خلق السماوات والأرض هو اللّه في السماوات وفي الأرض.هو المتفرد بالألوهية فيهما على السواء.وكل مقتضيات الألوهية متحققة عليهما،من خضوع للناموس الذي سنه اللّه لهما،وائتمار بأمره وحده.
وكذلك ينبغي أن يكون الشأن في حياة الإنسان.فلقد خلقه اللّه كما خلق السماوات والأرض وهو في تكوينه الأول من طين هذه الأرض وما رزقه من خصائص جعلت منه إنسانا رزقه إياه اللّه وهو خاضع من ناحية كيانه الجسمي للناموس الذي سنه اللّه له - رضي أم كره - يعطى وجوده وخلقه ابتداء بمشيئة اللّه،لا بمشيئته هو ولا بمشيئة أبيه وأمه:فهما يلتقيان ولكن لا يملكان أن يعطيا جنينا وجوده! وهو يولد وفق الناموس الذي وضعه اللّه لمدة الحمل وظروف الولادة! وهو يتنفس هذا الهواء الذي أوجده اللّه بمقاديره هذه ويتنفسه بالقدر وبالكيفية التي أرادها اللّه له.وهو يحس ويتألم،ويجوع ويعطش،ويأكل ويشرب ..وبالجملة يعيش ..وفق ناموس اللّه،على غير إرادة منه ولا اختيار ..شأنه في هذا شأن السماوات والأرض سواء.واللّه - سبحانه - يعلم سره وجهره.ويعلم ما يكسب في حياته في سره وجهره.والأليق به أن يتبع - إذن - ناموس اللّه في حياته الاختيارية - فيما يتخذه من تصورات اعتقادية ،وقيم اعتبار ية،وأوضاع حيوية - لتستقيم حياته الفطرية المحكومة بناموس اللّه مع حياته الكسبية حين تحكمها شريعة اللّه.ولكي لا يناقض بعضه بعضا،ولا يصادم بعضه بعضا ولا يتمزق مزقا بين ناموسين وشرعين:
أحدهما إلهي والآخر بشري وما هما بسواء ..
إن هذه الموجة العريضة الشاملة في مطلع السورة،إنما تخاطب القلب البشري والعقل البشري بدليل «الخلق» ودليل «الحياة» ممثلين في الآفاق وفي الأنفس ..ولكنها لا تخاطب بهما الإدراك البشري خطابا جدليا،لاهوتيا أو فلسفيا! ولكن خطابا موحيا موقظا للفطرة،حيث يواجهها بحركة الخلق والإحياء وحركة التدبير والهيمنة في صورة التقرير لا في صورة الجدل وبسلطان اليقين المستمد من تقرير اللّه ومن شهادة الفطرة الداخلية بصدق هذا التقرير فيما تراه.
ووجود السماوات والأرض،وتدبير هما وفق هذا النظام الواضح ونشأة الحياة - وحياة الإنسان في قمتها - وسيرها في هذا الخط الذي سارت فيه ..كلاهما يواجه الفطرة البشرية بالحق،ويوقع فيها اليقين بوحدانية اللّه ..والوحدانية هي القضية التي تستهدف السورة كلها - بل القرآن كله - تقريرها.وليست هي قضية «وجود» اللّه.فلقد كانت المشكلة دائما في تاريخ البشرية هي مشكلة عدم معرفة الإله الحق،بصفاته الحقة ولم تكن هي مشكلة عدم الإيمان بوجود إله! ومشركو العرب الذين كانت هذه السورة تواجههم ما كانوا يجحدون اللّه البتة بل كانوا يقرون بوجوده سبحانه،وبأنه الخالق الرازق،المالك،المحيي المميت ..إلى كثير من الصفات - كما يقرر القرآن ذلك في مواجهتهم،وفي حكاية أقوالهم - ولكن انحرافهم الذي وصمهم بالشرك هو أنهم ما كانوا يعترفون