ملموسة محسوسة ثم لمسوا هم هذه الورقة بأيديهم - لا سماعا عن غيرهم،ولا مجرد رؤية بعيونهم - ما سلموا بهذا الذي يرونه ويلمسونه،ولقالوا جازمين مؤكدين: «إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ» .
وهي صورة صفيقة،منكرة،تثير الاشمئزاز،وتستعدي من يراها عليها! صورة تثير النفس لتتقدم فتصفعها! حيث لا مجال مع هذه الجبلات لحجة أو جدل أو دليل! وتصويرها على هذا النحو - وهي صورة تمثل حقيقة لنماذج مكرورة - يؤدي غرضين أو عدة أغراض:
إنه يجسم للمعارضين أنفسهم حقيقة موقفهم الشائن الكريه البغيض كالذي يرفع المرآة لصاحب الوجه الشائه والسحنة المنكرة،ليرى نفسه في هذه المرآة،ويخجل منها! وهو في الوقت ذاته يستجيش ضمائر المؤمنين تجاه إعراض المشركين وإنكار المنكرين ويثبت قلوبهم على الحق،فلا تتأثر بالجو المحيط من التكذيب والإنكار والفتنة والإيذاء.
كذلك هو يوحي بحلم اللّه الذي لا يعجل على هؤلاء المعارضين المكذبين،وهم في مثل هذا العناد المنكر الصفيق.وكلها أسلحة وحركة في المعركة التي كانت تخوضها الجماعة المسلمة بهذا القرآن في مواجهة المشركين.
بعد ذلك يحكي نموذجا من اقتراحات المشركين،التي يمليها التمحل والعناد،كما يمليها الجهل وسوء التصور ..ذلك إذ يقترحون أن ينزل اللّه - سبحانه - على الرسول - صلى الله عليه وسلم - ملكا يصاحبه في تبليغ الدعوة ويصدقه في أنه مرسل من عند اللّه ..ثم يبين لهم ما في هذا الاقتراح من جهل بطبيعة الملائكة،وبسنة اللّه في إرسالهم،كما يبين لهم رحمة اللّه بهم في أن لا يستجيب لهم فيما يقترحون: «وَقالُوا:لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ! وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ.وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا،وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ» ..
وهذا الاقتراح الذي كان المشركون يقترحونه والذي اقترحه من قبلهم أقوام كثيرون على رسلهم - كما يحكي القرآن الكريم في قصصهم - والرد القرآني عليه في هذا الموضع ..هذا وذاك يثيران جملة حقائق نلم بها هنا بقدر الإمكان:
الحقيقة الأولى:أن أولئك المشركين من العرب لم يكونوا يجحدون اللّه ولكنهم كانوا يريدون برهانا على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مرسل من عنده وأن هذا الكتاب الذي يتلوه عليهم منزل من عند اللّه حقا.ويقترحون برهانا معينا:هو أن ينزل اللّه عليه ملكا يصاحبه في الدعوة ويصدق دعواه ..ولم يكن هذا إلا اقتراحا من اقتراحات كثيرة من مثله،ورد ذكرها في القرآن في مواضع منه شتى.وذلك كالذي ورد في سورة الإسراء،وهو يتضمن هذا الاقتراح،واقتراحات من نوعه تدل كلها على التعنت الذي وصفته الآية السابقة،كما تدل على الجهل بكثير من الحقائق الكونية وكثير من القيم الحقيقية:«وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ،فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا.وَقالُوا:لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا.أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا.أَوْ تُسْقِطَ