فهرس الكتاب

الصفحة 1446 من 4997

السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا،أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا.أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ،أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ،وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ.قُلْ:سُبْحانَ رَبِّي! هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا؟ وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا:أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا؟ قُلْ:لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا» ... (الإسراء:89 - 95) .

ومن مثل هذه الاقتراحات يتبين التعنت كما تتبين الجهالة ..وإلا فقد كان لهم من خلق رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - الذي يعرفونه جيدا بالخبرة الطويلة ما يدلهم على صدقه وأمانته وهم كانوا يلقبونه الأمين،ويودعون لديه أماناتهم حتى وهم معه على أشد الخلاف وقد هاجر - صلى الله عليه وسلم - وترك ابن عمه عليا - رضي اللّه عنه - يرد إلى قريش ودائعهم التي كانت ما تزال عنده وهم معه على الخلاف الذي يدبرون معه قتله! وكذلك كان صدقه عندهم مستيقنا كأمانته فإنه لما دعاهم أول مرة دعوة جماعية جهرية على الصفا - حين أمره ربه بذلك - وسألهم:إن كانوا يصدقونه لو أنبأهم بنبإ،أجابوه كلهم بأنه عندهم مصدق ..فلو كانوا يريدون أن يعلموا صدقه لقد كان لهم في ماضيه برهان،ولقد كانوا يعلمون:إنه لصادق ..وسيأتي في سياق السورة خبر اللّه الصادق لنبيه:أنهم لا يكذبونه: «قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ.فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ.وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» ..فهي الرغبة في الإنكار والإعراض وهو العناد والاستكبار عن الحق.وليس أنهم يشكون في صدقه - صلى الله عليه وسلم - ! ثم لقد كان لهم في القرآن ذاته برهان أصدق من هذه البراهين المادية التي يطلبون.فإن هذا القرآن شاهد بذاته،بتعبيره ثم بمحتوى هذا التعبير،على أنه من عند اللّه ..وهم لم يكونوا يجحدون اللّه ..وهم - على وجه التأكيد - كانوا يحسون ذلك ويعرفونه ..كانوا يعرفون بحسهم اللغوي الأدبي الفني مدى الطاقة البشرية ويعرفون أن هذا القرآن فوق هذا المدى - وهذا الإحساس يعرفه من يمارس فن القول ويتذوقه أكثر مما يعرفه من ليست له هذه الممارسة.

وكل من مارس فن القول يدرك إدراكا واضحا أن هذا القرآن فوق ما يملك البشر أن يبلغوا لا ينكر هذا إلا معاند يجد الحق في نفسه ثم يخفيه! كما أن المحتوى القرآني من التصور الاعتقادي والمنهج الذي يتخذه لتقرير هذا الاعتقاد في الإدراك البشري،ونوع المؤثرات واللمسات الموحية ..كلها غير معهود في طبيعة التصورات البشرية والمناهج البشرية،والطرائق البشرية في الأداء النفسي والتعبيري أيضا ..

والعرب لم يكن يخفى عليهم الشعور بهذا في قرارة نفوسهم.وأقوالهم ذاتها وأحوالهم تقرر أنهم ما كانوا يشكون في أن هذا القرآن من عند اللّه ..

وهكذا يبدو أن هذه الاقتراحات لم تكن طلبا للبرهان إنما كانت وسيلة من وسائل الإعنات وأسلوبا من أساليب التعنت وخطة للمماحكة والمعاندة وأنهم كانوا كما قال اللّه سبحانه عنهم في الآية السابقة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت