بَعْضُهَا بَعْضًا ،وَأَخَّرَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ،فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ مِائَةً. [1]
وهذا التمثيل النبوي الموحي،يقرب للإدراك البشري تصور رحمة اللّه تعالى ..ذلك إذ ينظر إلى رحمة الأمهات بأطفالها في الخلائق الحية ويتملاها ويعجب لها،وإلى رحمة القلوب البشرية بالطفولة والشيخوخة،والضعف والمرض وبالأقرباء والأوداء والأصحاب وبرحمة الطير والوحش بعضها على بعض - ومنها ما يدعو إلى الدهش والعجب - ثم يرى أن هذا كله من فيض رحمة واحدة من رحمات اللّه سبحانه ..فهذا مما يقرب إلى إدراكه تصور هذه الرحمة الكبرى شيئا ما! وكان رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لا يني يعلم أصحابه ويذكرهم بهذه الرحمة الكبرى:
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِسَبْىٍ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْىِ تَبْتَغِى إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِى السَّبْىِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِى النَّارِ » .قُلْنَا لاَ وَاللَّهِ وَهِىَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا » . [2] .
وكيف لا.وهذه المرأة إنما ترحم ولدها،من فيض رحمة واحدة من رحمات اللّه الواسعة؟
ومن تعليم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه هذه الحقيقة القرآنية،بهذا الأسلوب الموحي،كان ينتقل بهم خطوة أخرى ليتخلقوا بخلق اللّه هذا في رحمته،ليتراحموا فيما بينهم وليرحموا الأحياء جميعا ولتتذوق قلوبهم مذاق الرحمة وهم يتعاملون بها،كما تذوقتها في معاملة اللّه لهم بها من قبل.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ:أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،قَالَ:"الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ" [3]
وعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لاَ يَرْحَمُ النَّاسَ » [4]
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « لاَ تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلاَّ مِنْ شَقِىٍّ » [5] .
وعَنِ الزُّهْرِىِّ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِىُّ جَالِسًا .فَقَالَ الأَقْرَعُ إِنَّ لِى عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا .فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ قَالَ « مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ » [6] . .
ولم يكن - صلى الله عليه وسلم - يقف في تعليمه لأصحابه - رضوان اللّه عليهم - عند حد الرحمة بالناس.
(1) - صحيح مسلم- المكنز [17 /457] (7153 ) وصحيح ابن حبان- ط2 مؤسسة الرسالة [14 /15] (6146)
(2) - صحيح مسلم- المكنز [17 /458] ( 7154 )
(3) - شعب الإيمان [13 /401] (10537 ) صحيح
(4) - صحيح البخارى- المكنز [24 /203] ( 7376 )
(5) - سنن الترمذى- المكنز [7 /382] قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
(6) - صحيح البخارى- المكنز [20 /96] (5997) وصحيح مسلم- المكنز [15 /280] (6170)