فهرس الكتاب

الصفحة 1460 من 4997

وقد علم أن رحمة ربه وسعت كل شيء.وأن المؤمنين مأمورون أن يتخلقوا بأخلاق اللّه وأن الإنسان لا يبلغ تمام إنسانيته إلا حين يرحم كل حي تخلقا بخلق اللّه سبحانه.وكان تعليمه لهم بالطريقة الموحية التي عهدناها عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ،فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ،فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ فَقَالَ الرَّجُلُ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِى كَانَ بَلَغَ بِى،فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ،ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ،فَسَقَى الْكَلْبَ،فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ » .قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِى الْبَهَائِمِ أَجْرًا .فَقَالَ « فِى كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ » [1] .

وفي أخرى عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - « أَنَّ امْرَأَةً بَغِيًّا رَأَتْ كَلْبًا فِى يَوْمٍ حَارٍّ يُطِيفُ بِبِئْرٍ قَدْ أَدْلَعَ لِسَانَهُ مِنَ الْعَطَشِ فَنَزَعَتْ لَهُ بِمُوقِهَا فَغُفِرَ لَهَا » . [2] .

وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِى سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرُشُ فَجَاءَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا » .وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فَقَالَ « مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ » .قُلْنَا نَحْنُ.قَالَ « إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِى أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلاَّ رَبُّ النَّارِ » . [3] ..

وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِى سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ،فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ،فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ » [4] .

وهكذا علم رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أصحابه هدى القرآن.ليتذوقوا رحمة اللّه من خلال مزاولتهم للرحمة ..أليس أنهم إنما يتراحمون برحمة واحدة من رحمات اللّه الكثيرة؟! وبعد فإن استقرار هذه الحقيقة في تصور المسلم لينشىء في حسه وفي حياته وفي خلقه آثارا عميقة يصعب كذلك تقصيها ولا بد من الاكتفاء بالإشارة السريعة إليها،كي لا نخرج من نطاق الظلال القرآنية،إلى قضية مستقلة! إن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو ليسكب في قلب المؤمن الطمأنينة إلى ربه - حتى وهو يمر بفترات الابتلاء بالضراء،التي تزيغ فيها القلوب والأبصار - فهو يستيقن أن الرحمة وراء كل لمحة،وكل حالة،وكل وضع وأن ربه لا يعرضه للابتلاء لأنه تخلى عنه،أو طرده من رحمته.فإن اللّه لا يطرد من رحمته أحدا يرجوها.إنما يطرد الناس أنفسهم من هذه الرحمة حين يكفرون باللّه ويرفضون رحمته ويبعدون عنها! وهذه الطمأنينة إلى رحمة اللّه تملأ القلب بالثبات والصبر،وبالرجاء والأمل،وبالهدوء والراحة ..فهو في

(1) - صحيح البخارى- المكنز [20 /119] (6009 )

(2) - صحيح مسلم- المكنز [15 /76] (5997 ) -أدلع:أخرج =الموق:الخف

(3) - سنن أبي داود - المكنز [3 /8] (2677 ) صحيح -حمرة:طائر صغير كالعصفور

(4) - صحيح البخارى- المكنز [11 /65] ( 3019 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت