فهرس الكتاب

الصفحة 1461 من 4997

كنف ودود،يستروح ظلاله،ما دام لا يبعد عنه في الشرود! والشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو يستجيش في حس المؤمن الحياء من اللّه.فإن الطمع في المغفرة والرحمة لا يجرّىء على المعصية - كما يتوهم البعض - إنما يستجيش الحياء من اللّه الغفور الرحيم.والقلب الذي تجرئه الرحمة على المعصية هو قلب لم يتذوق حلاوة الإيمان الحقيقة! لذلك لا أستطيع أن أفهم أو أسلم ما يجري على ألسنة بعض المتصوفة من أنهم يلجون في الذنب ليتذوقوا حلاوة الحلم،أو المغفرة،أو الرحمة ..

إن هذا ليس منطق الفطرة السوية في مقابلة الرحمة الإلهية! كذلك فإن الشعور بهذه الحقيقة على هذا النحو يؤثر تأثيرا قويا في خلق المؤمن،وهو يعلم أنه مأمور أن يتخلق بأخلاق اللّه - سبحانه - وهو يرى نفسه مغمورا برحمة اللّه مع تقصيره وذنبه وخطئه - فيعلمه ذلك كله كيف يرحم،وكيف يعفو،وكيف يغفر ..كما رأينا في تعليم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه مستمدا تعليمه لهم من هذه الحقيقة الكبيرة ..

ومن مواضع رحمة اللّه التي تقررها الآية الكريمة:أن اللّه كتب ليجمعنهم إلى يوم القيامة: «قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ؟ قُلْ:لِلَّهِ.كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ..»

فمن هذه الرحمة المكتوبة،ذلك الجمع الذي لا ريب فيه ..ذلك الجمع الذي يشي بما وراءه من عناية اللّه - سبحانه - بعباده من الناس فقد خلقهم لأمر واستخلفهم في هذه الأرض لغاية،ولم يخلقهم عبثا،ولم يتركهم سدى.ولكن يجمعهم إلى يوم القيامة - فهذا اليوم هو نهاية المطاف الذي يفيئون إليه كما يفيء الراحل إلى وجهته - فيعطيهم جزاء كدحهم إليه،وينقدهم أجر عملهم في دار الدنيا.فلا يضيع عليهم كدح ولا أجر إنما يوفون أجورهم يوم القيامة ..وفي هذه العناية تتجلى الرحمة في مظهر من مظاهرها ..كما أن ما يتجلى من فضل اللّه في جزاء السيئة بمثلها،والحسنة بعشرة أمثالها،والإضعاف لمن يشاء،والتجاوز عما يشاء لمن يشاء ..كل أولئك من مظاهر الرحمة التي تتجلى في هذا الجمع أيضا.

ولقد كان العرب في جاهليتهم - قبل أن يمن اللّه عليهم بهذا الدين ويرفعهم إلى مستواه الكريم - يكذبون

بيوم القيامة - شأنهم في هذا شأن أهل الجاهلية «العلمية» الحديثة!!!

لذلك جاء التعبير في هذه الصيغة المؤكدة بشتى التوكيدات،لمواجهة ذلك التكذيب: « لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ» ..ولن يخسر في هذا اليوم إلا الذين لم يؤمنوا في الدنيا ..وهؤلاء لن يخسروا شيئا ويكسبوا شيئا ..هؤلاء خسروا كل شيء ..فقد خسروا أنفسهم كلها،فلم يعودوا يملكون أن يكسبوا شيئا.أليس أن الإنسان إنما يكسب لنفسه؟ فإذا خسر نفسه ذاتها فماذا يكسب؟ ولمن يكسب؟!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت