فهرس الكتاب
إن تتابع المقاطع والإيقاعات في الآية الواحدة عجيب وإن هذا التتابع ليرسم الموقف لحظة لحظة،ومشهدا مشهدا،ويكاد ينطق بملامح الوجوه فيه وخلجات الصدور ..
فها هو ذا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يؤمر من ربه هذا الأمر ..ثم ها هو ذا يواجه المشركين الذين يتخذون من دون اللّه أولياء يجعلون لهم بعض خصائص الألوهية مع اللّه ويدعون رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أن يقرهم على هذا الذي هم فيه ليدخلوا هم فيما جاءهم به! كأن ذلك يمكن أن يكون! وكأنه يمكن أن يجتمع الإسلام والشرك في قلب واحد على هذا النحو الذي كانوا يتصورونه والذي لا يزال يتصوره ناس في هذا الزمان،من أنه يمكن أن يكون الإنسان مسلما للّه بينما هو يتلقى من غير اللّه في شؤون الحياة وبينما هو يخضع لغير اللّه ويستنصر بغير اللّه،ويتولى غير اللّه!
ها هو ذا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يواجه هؤلاء المشركين،ليبين لهم مفرق الطريق بين دينه ودينهم،وبين توحيده وشركهم،وبين إسلامه وجاهليتهم.وليقرر لهم:أنه لا موضع للقاء بينه وبينهم،إلا أن يتخلصوا هم من دينهم ويدخلوا في دينه.وأنه لا وجه للمصالحة في هذا الأمر لأنه يفترق معهم في أول الطريق! وها هو ذا يبدأ معهم مشهد الإشهاد العلني المفتوح المكشوف: «قُلْ:أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟» ..أيّ شاهد في هذا الوجود كله هو أكبر شهادة؟ أي شاهد تعلو شهادته كل شهادة؟ أي شاهد تحسم شهادته في القضية فلا يبقى بعد شهادته شهادة؟
وللتعميم المطلق،حتى لا يبقى في الوجود كله «شيء » لا يستقصى وزنه في مقام الشهادة:يكون السؤال: «أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟» .
وكما يؤمر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بالسؤال،فهو يؤمر كذلك بالجواب.ذلك أنه لا جواب غيره باعتراف المخاطبين أنفسهم.ولا جواب غيره في حقيقة الأمر والواقع: «قُلِ:اللَّهُ» ..نعم! فاللّه - سبحانه وتعالى - هو أكبر شهادة ..هو الذي يقص الحق وهو خير الفاصلين ..هو الذي لا شهادة بعد شهادته،ولا قول بعد قوله.فإذا قال فقد انتهى القول،وقد قضي الأمر.
فإذا أعلن هذه الحقيقة:حقيقة أن اللّه سبحانه هو أكبر شهادة،أعلن لهم أنه - سبحانه - هو الشهيد بينه وبينهم في القضية: «شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» ..على تقدير:هو شهيد بيني وبينكم،فهذا التقطيع في العبارة هو الأنسب في جو المشهد:وهو أولى من الوصل على تقدير: «قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ» .
فإذا تقرر المبدأ:مبدأ تحكيم اللّه سبحانه في القضية،أعلن إليهم أن شهادة اللّه سبحانه،تضمنها هذا القرآن،الذي أوحاه إليه لينذرهم به وينذر به كل من يبلغه في حياته - صلى الله عليه وسلم - أو من بعد.
فهو حجة عليهم وعلى من يبلغه غيرهم لأنه يتضمن شهادة اللّه في هذه القضية الأساسية التي تقوم عليها الدنيا والآخرة،ويقوم عليها الوجود كله والوجود الإنساني ضمنا: «وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ» ..فكل من بلغه هذا القرآن من الناس،بلغة يفهمها،ويحصل منها محتواه،فقد قامت عليه الحجة به،وبلغه الإنذار،وحق عليه العذاب،إن كذب بعد البلاغ ..(فأما من يحول عدم