فهرس الكتاب
فهمه للغة القرآن دون فهمه لفحواه،فلا تقوم عليه الحجة به ويبقى إثمه على أهل هذا الدين الذين لم يبلغوه بلغته التي يفهم بها مضمون هذه الشهادة ..هذا إذا كان مضمون القرآن لم يترجم إلى لغته) ..
فإذا أعلن إليهم أن شهادة اللّه - سبحانه - متضمنة في هذا القرآن،أعلن إليهم مضمون هذه الشهادة في صورة التحدي والاستنكار لشهادتهم هم،المختلفة في أساسها عن شهادة اللّه سبحانه.وعالنهم بأنه ينكر شهادتهم هذه ويرفضها وأنه يعلن غيرها ويقرر عكسها ويشهد لربه بالوحدانية المطلقة والألوهية المتفردة وأنه يفاصلهم على هذا عند مفرق الطريق وأنه يتبرأ من شركهم في صيغة التشديد والتوكيد:
«أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ؟ قُلْ:لا أَشْهَدُ،قُلْ:إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ،وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ» ..والنصوص القرآنية بمقاطعها هذه،وبإيقاعاتها هذه،تهز القلوب بما لا يملك البيان البشري أن يفعل.فلا أريد أن أوقف تدفقها وانسكابها في القلب بأي تعليق.
ولكني أريد أن أتحدث عن القضية التي تضمنها هذا المقطع،وجرت بها هذه الموجة ..إن هذه القضية التي عرضها السياق القرآني في هذه الآيات ..قضية الولاء والتوحيد والمفاصلة ..هي قضية هذه العقيدة وهي الحقيقة الكبرى فيها.وإن العصبة المؤمنة اليوم لخليقة بأن تقف أمام هذا الدرس الرباني فيها وقفة طويلة ..
إن هذه العصبة تواجه اليوم من الجاهلية الشاملة في الأرض،نفس ما كانت تواجهه العصبة التي تنزلت عليها هذه الآيات،لتحدد على ضوئها موقفها،ولتسير على هذا الضوء في طريقها وتحتاج - من ثم - أن تقف وقفة طويلة أمام هذه الآيات،لترسم طريقها على هداها.
لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية وعادت البشرية إلى مثل الموقف الذي كانت فيه يوم تنزل هذا القرآن على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ويوم جاءها الإسلام مبنيا على قاعدته الكبرى: «شهادة أن لا إله إلا اللّه» ..شهادة أن لا إله إلا اللّه بمعناها الذي كما قال ربعي بن عامر،وحذيفة بن محصن،والمغيرة بن شعبة،جميعا لرستم قائد جيش الفرس في القادسية،وهو يسألهم واحدا بعد واحد في ثلاثة أيام متوالية،قبل المعركة:ما الذي جاء بكم؟ فيكون الجواب:اللّه ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده.ومن ضيق الدنيا إلى سعتها.ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ..فأرسل رسوله بدينه إلى خلقه،فمن قبله منا قبلنا منه ورجعنا عنه،وتركناه وأرضه.ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر». [1] ..
وهو يعلم أن رستم وقومه لا يعبدون كسرى بوصفه إلها خالقا للكون ولا يقدمون له شعائر العبادة المعروفة ولكنهم إنما يتلقون منه الشرائع،فيعبدونه بهذا المعنى الذي يناقض الإسلام وينفيه فأخبره أن اللّه ابتعثهم ليخرجوا الناس من الأنظمة والأوضاع التي يعبد العباد فيها العباد،ويقرون لهم بخصائص
(1) - البداية والنهاية لابن كثير محقق - موافق للمطبوع - (7 / 46)