فهرس الكتاب
دون هذه الآذان أن تؤدي وظيفتها فتسمع ..وهذه النماذج البشرية التي تستمع ولكنها لا تفقه،كأن ليس لها قلوب تدرك وكأن ليس لها آذان تسمع ..
نماذج مكرورة في البشرية في كل جيل وفي كل قبيل،في كل زمان وفي كل مكان ..إنهم أناسي من بني آدم ..ولكنهم يسمعون القول وكأنهم لا يسمعونه.كأن آذانهم صماء لا تؤدي وظيفتها.وكأن إدراكهم في غلاف لا تنفذ إليه مدلولات ما سمعته الآذان! «وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها.حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ.يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا:إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» ..
فأعينهم ترى كذلك.ولكن كأنها لا تبصر.أو كأن ما تبصره لا يصل إلى قلوبهم وعقولهم! فما الذي أصاب القوم يا ترى؟ ما الذي يحول بينهم وبين التلقي والاستجابة.بينما لهم آذان ولهم عيون ولهم عقول؟ يقول اللّه - سبحانه: «وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا.وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها» ..وهذا يعبر عن قضاء اللّه فيهم بألا يتلقى إدراكهم هذا الحق ولا يفقهه وبألا تؤدي أسماعهم وظيفتها فتنقل إلى إدراكهم ما تسمع من هذا الحق فتستجيب له،مهما يروا من دلائل الهدى وموحيات الإيمان.غير أنه يبقى أن نلتمس سنة اللّه في هذا القضاء ..إنه سبحانه يقول: «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» ..ويقول: «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها،فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها،قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها،وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها» ..
فشأن اللّه - سبحانه - أن يهدي من يجاهد ليبلغ الهدى وأن يفلح من يزكي نفسه ويطهرها ..فأما هؤلاء فلم يتجهوا إلى الهدى ليهديهم اللّه ولم يحاولوا أن يستخدموا أجهزة الاستقبال الفطرية في كيانهم،فييسر اللّه لهم الاستجابة ..هؤلاء عطلوا أجهزتهم الفطرية ابتداء فجعل اللّه بينهم وبين الهدى حجابا وجرى قضاؤه فيهم بهذا الذي جرى جزاء على فعلهم الأول ونيتهم الأولى ..وكل شيء إنما يكون بأمر اللّه.ومن أمر اللّه أن يهدي من يجاهد،وأن يفلح من يتزكى.ومن أمر اللّه أن يجعل على قلوب المعرضين أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا،وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها ..والذين يحيلون ضلالهم وشركهم وخطاياهم على إرادة اللّه بهم،وعلى قضائه فيهم،إنما يغالطون في هذه الإحالة.واللّه سبحانه يجبههم بالحق،وهو يحكي أقوالهم في هذا الشأن ويسفهها: «وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا:لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا،وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيء .كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ؟ وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا:أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ،فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ،وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ،فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» ..فدل هذا على إنكار اللّه عليهم قولهم وعلى أن الضلالة إنما حقت عليهم - بعد النذارة - بفعلهم ..
والذين أثاروا قضايا القضاء والقدر،والجبر والاختيار،وإرادة العبد وكسبه ..ليجعلوا منها مباحث لاهوتية،تخضع لما تتصوره عقولهم من فروض وتقديرات،إنما يجانبون منهج القرآن في عرض هذه