فهرس الكتاب

الصفحة 1477 من 4997

القضية في صورتها الواقعية التقريرية البسيطة التي تقرر أن كل شيء إنما يكون بقدر من اللّه وأن اتجاه الإنسان على هذا النحو أو ذاك داخل في حدود فطرته التي خلقه اللّه عليها،والتي جرى بها قدر اللّه فكانت على ما كانت عليه وأن اتجاهه على هذا النحو أو ذاك تترتب عليه نتائج وآثار في الدنيا والآخرة يجري بها قدر اللّه أيضا،فتكون ..وبهذا يكون مرجع الأمر كله إلى قدر اللّه ..ولكن على النحو الذي يرتب على إرادة الإنسان الموهوبة له ما يوقعه قدر اللّه به ..وليس وراء هذا التقرير إلا الجدل الذي ينتهي إلى المراء! والمشركون كانت معروضة عليهم أمارات الهدى ودلائل الحق وموحيات الإيمان،في هذا القرآن،الذي يلفتهم إلى آيات اللّه في الأنفس والآفاق وهي وحدها كانت كفيلة - لو اتجهت إليها قلوبهم - أن توقع على أوتار هذه القلوب،وأن تهز فيها المدارك الغافية فتوقظها وتحييها،لتتلقى وتستجيب ..إلا أنهم هم لم يجاهدوا ليهتدوا بل عطلوا فطرتهم وحوافزها فجعل اللّه بينهم وبين موحيات الهدى حجابا وصاروا حين يجيئون إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يجيئون مفتوحي الأعين والآذان والقلوب ليتدبروا ما يقوله لهم تدبر الباحث عن الحق ولكن ليجادلوا ويتلمسوا أسباب الرد والتكذيب: «حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا:إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» ..

والأساطير جمع أسطورة.وكانوا يطلقونها على الحكايات التي تتضمن الخوارق المتعلقة بالآلهة والأبطال في قصص الوثنيات.وأقربها إليهم كانت الوثنية الفارسية وأساطيرها.

وهم كانوا يعلمون جيدا أن هذا القرآن ليس بأساطير الأولين.ولكنهم إنما كانوا يجادلون ويبحثون عن أسباب الرد والتكذيب ويتلمسون أوجه الشبهات البعيدة ..وكانوا يجدون فيما يتلى عليهم من القرآن قصصا عن الرسل وأقوامهم وعن مصارع الغابرين من المكذبين.فمن باب التمحل والتماس أوهى الأسباب،قالوا عن هذا القصص وعن القرآن كله: «إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» !

وإمعانا في صرف الناس عن الاستماع لهذا القرآن،وتثبيت هذه الفرية ..فرية أن هذا القرآن إن هو إلا أساطير الأولين ..كان مالك بن النضر،وهو يحفظ أساطير فارسية عن رستم وإسفنديار من أبطال الفرس الأسطوريين،يجلس مجلسا قريبا من رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهو يتلو القرآن.فيقول للناس:إن كان محمد يقص عليكم أساطير الأولين،فعندي أحسن منها! ثم يروح يقص عليهم مما عنده من الأساطير،ليصرفهم عن الاستماع إلى القرآن الكريم! ولقد كانوا كذلك ينهون الناس عن الاستماع إليه - وهم كبراؤهم - وينأون هم عن الاستماع خشية التأثر والاستجابة: «وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ،وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ،وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ» ..

لقد كانوا على يقين من أنه ليس أساطير الأولين.وأن مواجهته بأساطير الأولين لا تجدي لو ترك الناس يسمعون! وكان كبراء قريش يخافون على أنفسهم من تأثير هذا القرآن فيها كما يخافون على أتباعهم.فلم يكن يكفي إذن في المعركة بين الحق النفاذ بسلطانه القوي،والباطل الواهن المتداعي،أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت