فهرس الكتاب

الصفحة 1483 من 4997

ولهذا كان ذلك التوكيد على حقيقة الآخرة ..أولا لأنها حقيقة.واللّه يقص الحق.وثانيا لأن اليقين بها ضرورة لاستكمال إنسانية الإنسان:تصورا واعتقادا،وخلقا وسلوكا،وشريعة ونظاما.

ومن ثم كانت هذه الإيقاعات العنيفة العميقة التي نراها في هذه الموجة من نهر السورة المتدفق ..الإيقاعات التي يعلم اللّه أن فطرة الإنسان تهتزلها وترجف فتتفتح نوافذها،وتستيقظ أجهزة الاستقبال فيها،وتتحرك وتحيا،وتتأهب للتلقي والاستجابة ..ذلك كله فضلا على أنها تمثل الحقيقة: «وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ.قالَ:أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ؟ قالُوا:بَلى وَرَبِّنا.قالَ:فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» ..هذا مصير الذين قالوا:؟ إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ» ..وهذا هو مشهدهم البائس المخزي المهين وهم موقوفون في حضرة ربهم الذي كذبوا بلقائه،لا يبرحون الموقف.وكأنما أخذ بأعناقهم حتى وقفوا في هذا المشهد الجليل الرهيب: «قالَ:أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ؟» ..

وهو سؤال يخزي ويذيب! «قالُوا:بَلى وَرَبِّنا» ..الآن.وهم موقوفون على ربهم.في الموقف الذي نفوا على سبيل التوكيد أن يكون! وفي اختصار يناسب جلال الموقف،ورهبة المشهد،وهول المصير،يجيء الأمر العلوي بالقضاء الأخير: «قالَ:فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» ..

وهو مصير يتفق مع الخلائق التي أبت على نفسها سعة التصور الإنساني وآثرت عليه جحر التصور الحسي! والتي أبت أن ترتفع إلى الأفق الإنساني الكريم،وأخلدت إلى الأرض،وأقامت حياتها وعاشت على أساس ذلك التصور الهابط الهزيل! لقد ارتكست هذه الخلائق حتى أهلت نفسها لهذا العذاب الذي يناسب طبائع الكافرين بالآخرة الذين عاشوا ذلك المستوي الهابط من الحياة! بذلك التصور الهابط الهزيل!

ويستكمل السياق المشهد الذي ختمه هناك بهذا القضاء العلوي تنسيقا له مع الجلال والروعة والهول ..يستكمله بتقرير حقيقته: «قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ.حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا:يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها!» ..

فهي الخسارة المحققة المطلقة ..خسارة الدنيا بقضاء الحياة فيها في ذلك المستوي الأدنى ..وخسارة الآخرة على النحو الذي رأينا ..والمفاجأة التي لم يحسب لها أولئك الغافلون الجاهلون حسابا: «حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا:يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها!» ..ثم مشهدهم كالدواب الموقرة بالأحمال: «وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ» ..بل الدواب أحسن حالا.فهي تحمل أوزارا من الأثقال.ولكن هؤلاء يحملون أوزارا من الآثام! والدواب تحط عنها أوزارها فتذهب لتستريح.وهؤلاء يذهبون بأوزارهم إلى الجحيم.مشيعين بالتأثيم: «أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ!» ..

وفي ظلال هذا المشهد الناطق بالخسارة والضياع،بعد ذلك المشهد الناطق بالهول والرهبة ..يجيء الإيقاع الأخير في هذا المقطع بحقيقة وزن الدنيا ووزن الآخرة في ميزان اللّه وقيمة هذه الدنيا وقيمة الآخرة في هذا الميزان الصحيح:« وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ،وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ.أَفَلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت