فهرس الكتاب

الصفحة 1484 من 4997

تَعْقِلُونَ؟» ..هذه هي القيمة المطلقة الأخيرة في ميزان اللّه للحياة الدنيا وللدار الآخرة ..وما يمكن أن يكون وزن ساعة من نهار،على هذا الكوكب الصغير،إلا على هذا النحو،حين توازن بذلك الأبد الأبيد في ذلك الملك العريض.وما يمكن أن تكون قيمة نشاط ساعة في هذه العبادة إلا لعبا ولهوا حين تقاس إلى الجد الرزين في ذلك العالم الآخر العظيم ..

هذا تقييم مطلق ..ولكنه في التصور الإسلامي لا ينشئ - كما قلنا - إهمالا للحياة الدنيا ولا سلبية فيها ولا انعزالا عنها ..وليس ما وقع من هذا الإهمال والسلبية والانعزال وبخاصة في بعض حركات «التصوف» «والزهد» بتابع من التصور الإسلامي أصلا.إنما هو عدوى من التصورات الكنسية الرهبانية ومن التصورات الفارسية،ومن بعض التصورات الإشراقية الإغريقية المعروفة بعد انتقالها للمجتمع الإسلامي! والنماذج الكبيرة التي تمثل التصور الإسلامي في أكمل صورة،لم تكن سلبية ولا انعزالية ..فهذا جيل الصحابة كله الذين قهروا الشيطان في نفوسهم،كما قهروه في الأنظمة الجاهلية السائدة من حولهم في الأرض حيث كانت الحاكمية للعباد في الإمبراطوريات ..هذا الجيل الذي كان يدرك قيمة الحياة الدنيا كما هي في ميزان اللّه،هو الذي عمل للآخرة بتلك الآثار الإيجابية الضخمة في واقع الحياة،وهو الذي زاول الحياة بحيوية ضخمة،وطاقة فائضة،في كل جانب من جوانبها الحية الكثيرة.

إنما أفادهم هذا التقييم الرباني للحياة الدنيا وللدار الآخرة،أنهم لم يصبحوا عبيدا للدنيا.لقد ركبوها ولم تركبهم! وعبدوها فذللوها للّه ولسلطانه ولم تستعبدهم! ولقد قاموا بالخلافة عن اللّه فيها بكل ما تقتضيه الخلافة عن اللّه من تعمير وإصلاح،ولكنهم كانوا يبتغون في هذه الخلافة وجه اللّه،ويرجون الدار الآخرة.فسبقوا أهل الدنيا في الدنيا،ثم سبقوهم كذلك في الآخرة!

والآخرة غيب.فالإيمان بها سعة في التصور.وارتقاء في العقل.والعمل لها خير للمتقين يعرفه الذين يعقلون: «وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ» ..

والذين ينكرون الآخرة اليوم لأنها «غيب» إنما هم الجهال الذين يدعون العلم ..فالعلم علم الناس - (كما سنذكر فيما بعد) لم يعد لديه اليوم حقيقة واحدة مستيقنة له إلا حقيقة الغيب وحقيقة المجهول!!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت