القريبين بمثله في حينه تبدو خارقة إذا كانت الطير تقصد الجيش وحده بما تحمل.وما دامت المسألة خارقة فعلام العناء في حصرها في صورة معينة لمجرد أن هذه الصورة مألوفة لمدارك البشر! وجريان
ندرك ونقدر دوافعها إلى تضييق نطاق الخوارق والغيبيات في تفسير القرآن الكريم وأحداث التاريخ،ومحاولة ردها إلى المألوف المكشوف من السنن الكونية ..فلقد كانت هذه المدرسة تواجه النزعة الخرافية الشائعة التي تسيطر على العقلية العامة في تلك الفترة كما تواجه سيل الأساطير والإسرائيليات التي حشيت بها،كتب التفسير والرواية في الوقت الذي وصلت فيه الفتنة بالعلم الحديث إلى ذروتها،وموجة الشكّ في مقولات الذين إلى قمتها.
فقامت هذه المدرسة تحاول أن ترد إلى الدين اعتباره على أساس أن كل ما جاء به موافق للعقل.ومن ثم تجتهد في تنقيته من الخرافات والأساطير.كما تحاول أن تنشئ عقلية دينية تفقه السنن الكونية،وتدرك ثباتها واطرادها،وترد إليها الحركات الإنسانية كما ترد إليها الحركات الكونية في الأجرام والأجسام - وهي في صميمها العقلية القرآنية - فالقرآن يرد الناس إلى سنن اللّه الكونية باعتبارها القاعدة الثابتة المطردة المنظمة لمفردات الحركات والظواهر المتناثرة.
ولكن مواجهة ضغط الخرافة من جهة وضغط الفتنة بالعلم من جهة أخرى تركت آثارها في تلك المدرسة.من المبالغة في الاحتياط،والميل إلى جعل مألوف السنن الكونية هو القاعدة الكلية لسنة اللّه.فشاع في تفسير الأستاذ الشيخ محمد عبده - كما شاع في تفسير تلميذيه الأستاذ الشيخ رشيد رضا والأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي - رحمهم اللّه جميعا - شاع في هذا التفسير الرغبة الواضحة في رد الكثير من الخوارق إلى مألوف سنة اللّه دون الخارق منها،وإلى تأويل بعضها بحيث يلائم ما يسمونه «المعقول» ! وإلى الحذر والاحتراس الشديد في تقبل الغيبيات.
ومع إدراكنا وتقديرنا للعوامل البيئية الدافعة لمثل هذا الاتجاه،فإننا نلاحظ عنصر المبالغة فيه،وإغفال الجانب الآخر للتصور القرآني الكامل.وهو طلاقة مشيئة اللّه وقدرته من وراء السنن التي اختارها - سواء المألوف منها للبشر أو غير المألوف - هذه الطلاقة التي لا تجعل العقل البشري هو الحاكم الأخير.ولا تجعل معقول هذا العقل هو مرد كل أمر بحيث يتحتم تأويل ما لا يوافقه - كما يتكرر هذا القول في تفسير أعلام هذه المدرسة.
هذا إلى جانب أن المألوف من سنة اللّه ليس هو كل سنة اللّه.إنما هو طرف يسير لا يفسر كل ما يقع من هذه السنن في الكون.وأن هذه كتلك دليل على عظمة القدرة ودقة التقدير ..
وكل ذلك مع الاحتياط من الخرافة ونفي الأسطورة في اعتدال كامل،غير متأثر بإيحاء بيئة خاصة،ولا مواجهة عرف تفكيري شائع في عصر من العصور!!!
إن هنالك قاعدة مأمونة في مواجهة النصوص القرآنية،لعل هنا مكان تقريرها ..إنه لا يجوز لنا أن نواجه النصوص القرآنية بمقررات عقلية سابقة.لا مقررات عامة.،ولا مقررات في الموضوع الذي