تتحرر الكهارب (الإلكترونات) ولكنها لا تسلك في المعمل سلوكا حتميا موحدا. فهي تسلك مرة كأنها أمواج ضوئية ومرة كأنها قذائف. ولا يمكن تحديد سلوكها المقبل مقدما. وإنما هي تخضع لقانون آخر - غير الحتمية - هو قانون الاحتمالات. وكذلك تسلك الذرة نفسها،والمجموعة المحدودة من الذرات (في صورة جزئيات) هذا السلوك.
يقول سير جيمس جيننر - الإنجليزي - الأستاذ في الطبيعيات والرياضيات:
«لقد كان العلم القديم يقرر تقرير الواثق،أن الطبيعة لا تستطيع أن تسلك إلا طريقا واحدا:وهو الطريق الذي رسم من قبل،لتسير فيه من بداية الزمن إلى نهايته،وفي تسلسل مستمر بين علة ومعلول،وألا مناص من أن الحالة (ا) تتبعها الحالة (ب) أما العلم الحديث فكل ما يستطيع أن يقوله حتى الآن هو:أن الحالة (ا) يحتمل أن تتبعها (ب) أو (ج) أو (د) أو غيرها من الحالات الأخرى التي يخطئها الحصر. نعم إن في استطاعته أن يقول:إن حدوث الحالة (ب) أكثر احتمالا من حدوث الحالة (ج) وإن الحالة (ج) أكثر احتمالا من الحالة (د) .. وهكذا. بل إن في مقدوره أن يحدد درجة احتمال كل حالة من الحالات (ب) و (ج) و (د) بعضها بالنسبة إلى بعض. ولكنه لا يستطيع أن يتنبأ عن يقين:أي الحالات تتبع الأخرى.
لأنه يتحدث دائما عما يحتمل. أما ما يجب أن يحدث فأمره موكول إلى الأقدار - مهما تكن حقيقة هذه الأقدار!».
فماذا يكون «الغيب» وماذا يكون قدر اللّه المغيب عن علم الإنسان،إن لم يكن هو هذا الذي تنتهي إليه تجارب العلم الإنساني،وتقف على عتباته في صلب الكون وذراته؟
ويضرب مثلا لذلك إشعاع ذرات الراديوم،وتحولها إلى رصاص وهليوم .. وهي خاضعة تماما لقدر مجهول،وغيب مستور،يقف دونه علم الإنسان:
«ولنضرب لذلك مثلا ماديا يزيده وضوحا:من المعروف أن ذرات الراديوم وغيره من المواد ذات النشاط الإشعاعي،تتفكك بمجرد مرور الزمن عليها،وتخلف وراءها ذرات من الرصاص والهليوم. ولهذا فإن كتلة من الراديوم ينقص حجمها باستمرار،ويحل مكانها رصاص وهليوم. والقانون العام الذي يتحكم في معدل التناقص غريب غاية الغرابة. ذلك أن كمية من الراديوم تنقص بنفس الطريقة التي ينقص بها عدد من السكان،إذا لم تجد عليهم مواليد،وكانت نسبة تعرض كل منهم للوفاة واحدة بغض النظر عن السن أو أنها تنقص كما ينقص عدد أفراد كتيبة من الجند معرضين لنيران ترسل عليهم اعتباطا،ومن غير أن يكون أحدهم مقصودا لذاته. ومجمل القول إنه ليس لكبر السن أثر ما في