السخف الذي يرفضه العقل البشري ذاته متى عرض له في النور بعيدا عن الموروثات الراسبة،وبعيدا كذلك عن العرف السائد في البيئة! ولتجسيم السخف وتضخيم الاستنكار يعرض هذه المعتقدات في ضوء ما هدى اللّه المسلمين إليه من عبادته وحده،واتخاذه وحده إلها،والدينونة له وحده بلا شريك: «قُلْ:أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا؟» ..فهو ارتداد على الأعقاب ورجوع إلى الوراء بعد التقدم والارتقاء ..
ثم هذا المشهد الشاخص المتحرك الموحي المثير: «كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ .. حَيْرانَ .. لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى:ائْتِنا» ..
إنه مشهد حي شاخص متحرك للضلالة والحيرة التي تنتاب من يشرك بعد التوحيد،ومن يتوزع قلبه بين الإله الواحد،والآلهة المتعددة من العبيد! ويتفرق إحساسه بين الهدى والضلال،فيذهب في التيه .. إنه مشهد ذلك المخلوق التعيس: «كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ» - ولفظ الاستهواء لفظ مصور بذاته لمدلوله - ويا ليته يتبع هذا الاستهواء في اتجاهه،فيكون له اتجاه صاحب القصد الموحد - ولو في طريق الضلال! - ولكن هناك،من الجانب الآخر،أصحاب له مهتدون،يدعونه إلى الهدى،وينادونه «ائتنا» - وهو بين هذا الاستهواء وهذا الدعاء «حيران» لا يدري أين يتجه،ولا أي الفريقين يجيب! إنه العذاب النفسي يرتسم ويتحرك،حتى ليكاد يحس ويلمس من خلال التعبير! ولقد كنت أتصور هذا المشهد وما يفيض به من عذاب الحيرة والتأرجح والقلقلة كلما قرأت هذا النص ..ولكن مجرد تصور .. حتى رأيت حالات حقيقية،يتمثل فيها هذا الموقف،ويفيض منها هذا العذاب ..حالات ناس عرفوا دين اللّه وذاقوه - أيا كانت درجة هذه المعرفة وهذا التذوق - ثم ارتدوا عنه إلى عبادة الآلهة الزائفة،تحت قهر الخوف والطمع .. ثم إذا هم في مثل هذا البؤس المرير .. وعندئذ عرفت ماذا تعني هذه الحالة،وماذا يعني هذا التعبير! وبينما ظل المشهد الحي الشاخص المتحرك الموحي،يغمر النفس بالوجل من هذا المصير التعيس .. يأتي التقرير الحاسم بالاتجاه الثابت المستقيم: «قُلْ:إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى،وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ،وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ»
إنه التقرير الحاسم في الظرف النفسي المناسب،فالنفس التي ترتسم لها صورة الحيرة الطاغية،والعذاب المرير من هذه الحيرة التي لا تستقر على قرار،تكون أقرب ما تكون إلى استقبال القرار الحاسم بالراحة والتسليم ..
ثم إنه الحق في ذلك التقرير الحاسم: «قُلْ:إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى » ..هو وحده الهدى - كما يفيد التركيب البياني للجملة - وإنه لكذلك عن يقين ..
وإن البشرية لتخبط في التيه،كلما تركت هذا الهدى،أو انحرفت عن شيء منه واستبدلت به شيئا من تصوراتها هي ومقولاتها،وأنظمتها وأوضاعها،وشرائعها وقوانينها،وقيمها وموازينها،بغير «علم» ولا «هدى» ولا «كتاب منير» ..