إن «الإنسان» موهوب من اللّه القدرة على تعرف بعض نواميس الكون وبعض طاقاته وقواه،للانتفاع بها في الخلافة في الأرض،وترقية هذه الحياة .. ولكن هذا الإنسان ذاته غير موهوب من اللّه القدرة على استكناه الحقائق المطلقة في هذا الكون،ولا على الإحاطة بأسرار الغيوب التي تلفه من كل جانب،ومنها غيب عقله هو وروحه،بل غيب وظائف جسمه والأسباب الكامنة وراء هذه الوظائف،والتي تدفعها للعمل هكذا،وبهذا الانتظام،وفي هذا الاتجاه.
ومن ثم يحتاج هذا «الإنسان» إلى هدى اللّه في كل ما يختص بكينونته وحياته من عقيدة وخلق،وموازين وقيم،وأنظمة وأوضاع،وشرائع وقوانين تحكم هذه الكينونة وتنظم لها واقع الحياة ..
وكلما فاء هذا «الإنسان» إلى هدى اللّه اهتدى. لأن هدى اللّه هو الهدى. وكلما بعد كلية عنه،أو انحرف بعض الانحراف واستبدل به شيئا من عنده ضل. لأن ما ليس من هدى اللّه فهو ضلال .. إذ ليس هنالك نوع ثالث «فماذا بعد الحق إلا الضلال؟» .
ولقد ذاقت البشرية من ويلات هذا الضلال - وما تزال كلها تذوق - ما هو «حتمي» في تاريخ البشرية حين تنحرف عن هدى اللّه .. فهذه هي «الحتمية التاريخية» الوحيدة المستيقنة لأنها من أمر اللّه،ومن خبر اللّه،لا تلك الحتميات المدعاة! والذي يريد أن يتملى شقاء البشرية في انحرافها عن هدى اللّه،لا يحتاج أن ينقب فهو حوله في كل أرض تراه الأعين وتلمسه الأيدي،ويصرخ منه العقلاء في كل مكان [1] .
ومن ثم يستطرد السياق في الآية ليقرر ضرورة الاستسلام للّه وحده،وعبادته وحده،ومخافته وتقواه: «وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ،وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ» ..
قل يا محمد وأعلن أن هدى اللّه هو الهدى وأننا - من ثم - أمرنا أن نسلم لرب العالمين. فهو وحده الذي يستسلم له العالمون. فالعوالم كلها مستسلمة له،فماذا الذي يجعل الإنسان وحده - من بين العالمين - يشذ عن الاستسلام لهذه الربوبية الشاملة التي تستسلم لها العوالم في السماوات والأرضين؟
إن ذكر الربوبية للعالمين هنا له موضعه .. إنه يقرر الحقيقة التي لا مناص من الاعتراف بها وهي استسلام الوجود كله،وما فيه من عوالم مشهودة ومغيبة،للنواميس التي وضعها اللّه لها وهي لا تملك الخروج عليها،والإنسان - من ناحية تركيبه العضوي - يستسلم كذلك لهذه النواميس كرها،ولا يملك الخروج عليها ..
(1) - يراجع فصل: «تخبط واضطراب» في كتاب «الإسلام ومشكلات الحضارة» وفصل «شهادة القرن العشرين» في كتاب «التطور والثبات في حياة البشرية» . «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )