فهرس الكتاب

الصفحة 1559 من 4997

فلا يبقى إلا أن يستسلم في الجانب الذي ترك له الخيار فيه ليبتلى فيه،وهو جانب الاختيار .. اختيار الهدى أو الضلال .. ولو استسلم فيه استسلام كيانه العضوي،لاستقام أمره،وتناسق تكوينه وسلوكه،وجسمه وروحه،ودنياه وآخرته [1] ..

وفي إعلان الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين معه،أنهم أمروا بالاستسلام فاستسلموا،إيحاء مؤثر لمن يفتح اللّه قلبه للتلقي والاستجابة على مدى الزمان.

وبعد إعلان الاستسلام لرب العالمين تجيء التكاليف التعبدية والشعورية: «وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ» . فالأصل هو الاستسلام لربوبية رب العالمين،وسلطانه وتربيته وتقويمه. ثم تجيء العبادات الشعائرية وتجيء الرياضيات النفسية .. لتقوم على قاعدة الاستسلام .. فإنها لا تقوم إلا إذا رسخت هذه القاعدة ليقوم عليها البناء.وفي الإيقاع الأخير في الفقرة يحشد السياق المؤثرات من الحقائق الأساسية في العقيدة:حقيقة الحشر ..وحقيقة الخلق. وحقيقة السلطان. وحقيقة العلم بالغيب والشهادة. وحقيقة الحكمة والخبرة .. من خصائص الألوهية،التي هي الموضوع الرئيسي في هذه السورة: « وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ. وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ. وَيَوْمَ يَقُولُ:كُنْ فَيَكُونُ. قَوْلُهُ الْحَقُّ،وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ،عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ،وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ»

«وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ» ..إن الاستسلام لرب العالمين ضرورة وواجب .. فهو الذي إليه تحشر الخلائق .. فأولى لهم أن يقدموا بين يدي الحشر - الحتمي - ما ينجيهم وأولى لهم أن يستسلموا اليوم له استسلام العالمين قبل أن يقفوا أمامه مسؤولين .. وكذلك يصبح تصور هذه الحقيقة - حقيقة الحشر - موحيا بالاستسلام في المبدأ،ما دام أنه لا مفر من الاستسلام في المصير! «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ» ..وهذه حقيقة أخرى تحشد كمؤثر آخر .. فاللّه الذي يؤمرون بالاستسلام له هو الذي خلق السماوات والأرض - والذي يخلق يملك ويحكم ويقضي ويتصرف - ولقد خلق السماوات والأرض «بالحق» . فالحق قوام هذا الخلق .. وفضلا عما يقرره هذا النص من نفي الأوهام التي عرفتها الفلسفة عن هذا الكون - وبخاصة الأفلاطونية والمثالية - من أن هذا العالم المحسوس وهم لا وجود له على الحقيقة! - فضلا على تصحيح مثل هذه التصورات،فإن النص يوحي بأن الحق أصيل في بنية هذا الكون،وفي مآلاته كذلك. فالحق الذي يلوذ به الناس يستند إلى الحق الكامن في فطرة الوجود وطبيعته،فيؤلف قوة هائلة،لا يقف لها الباطل،الذي لا جذور له في بنية الكون،وإنما هو كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار. وكالزبد يذهب جفاء،إذ لا أصالة له في بناء الكون .. كالحق ... وهذه حقيقة ضخمة،ومؤثر كذلك عميق ..

(1) - يراجع بتوسع فصل «الإسلام» في كتاب «مبادئ الإسلام» للسيد أبي الأعلى المودودي أمير الجماعة الإسلامية بباكستان. ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت