فهرس الكتاب

الصفحة 1560 من 4997

إن المؤمن الذي يشعر أن الحق الذي معه - هو شخصيا وفي حدود ذاته - إنما يتصل بالحق الكبير في كيان هذا الوجود. (وفي الآية الأخرى: «ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ» ) فيتصل الحق الكبير الذي في الوجود بالحق المطلق في اللّه سبحانه .. إن المؤمن الذي يشعر بهذه الحقيقة على هذا النحو الهائل،لا يرى في الباطل - مهما تضخم وانتفخ وطغى وتجبر وقدر على الأذى المقدر - إلا فقاعة طارئة على هذا الوجود لا جذور لها ولا مدد تنفثئ من قريب،وتذهب كأن لم تكن في هذا الوجود.

كما أن غير المؤمن يرتجف حسه أمام تصور هذه الحقيقة. وقد يستسلم ويثوب! «وَيَوْمَ يَقُولُ:كُنْ فَيَكُونُ» ..

فهو السلطان القادر،وهي المشيئة الطليقة،في الخلق والإبداع والتغيير والتبديل .. وعرض هذه الحقيقة - فضلا على أنه من عمليات البناء للعقيدة في قلوب المؤمنين - هو كذلك مؤثر موح في نفوس الذين يدعون إلى الاستسلام للّه رب العالمين الخالق بالحق .. الذي يقول:كن فيكون.

« قَوْلُهُ الْحَقُّ» ..سواء في القول الذي يكون به الخلق: «كن فيكون» . أو في القول الذي يأمر به بالاستسلام له وحده.أو في القول الذي يشرع به للناس حين يستسلمون. أو في القول الذي يخبر به عن الماضي والحاضر والمستقبل.وعن الخلق والنشأة والحشر والجزاء.قوله الحق في هذا كله .. فأولى أن يستسلم له وحده من يشركون به ما لا ينفع ولا يضر من خلقه. ومن يتبعون قول غيره كذلك وتفسيره للوجود وتشريعه للحياة. في أي اتجاه. «وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ» ..

ففي هذا اليوم يوم الحشر .. يوم ينفخ في الصور (هو القرن المجوف كالبوق) وهو اليوم الذي يكون فيه البعث والنشر بكيفية غيبية لا يعلمها البشر،فهي من غيب اللّه الذي احتفظ به. والصور كذلك غيب من ناحية ماهيته وحقيقته،ومن ناحية كيفية استجابة الموتى له،والروايات المأثورة تقول:هو بوق من نور ينفخ فيه ملك،فيسمع من في القبور،حيث يهبون للنشور - وهذه هي النفخة الثانية - أما الأولى فيصعق لها من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللّه كما جاء في آية الزمر: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ - إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ - ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ» .. وهذه الأوصاف للصور ولآثار النفخة فيه تعطينا - عن يقين - أنه على غير ما يمكن أن يكون البشر قد عهدوه في هذه الأرض أو تصوروه .. وهو من ثم غيب من غيب اللّه .. نعلمه بقدر ما أعطانا اللّه من وصفه وأثره،ولا نتجاوز هذا القدر الذي لا أمان في تجاوزه،ولا يقين. إنما هي الظنون! في هذا اليوم الذي ينفخ فيه في الصور يبرز - حتى للمنكرين - ويظهر - حتى للمطموسين - أن الملك للّه وحده،وأنه لا سلطان إلا سلطانه،ولا إرادة إلا إرادته .. فأولى لمن يأبون الاستسلام له في الدنيا طائعين أن يستسلموا قبل أن يستسلموا لسلطانه المطلق يوم ينفخ في الصور. «عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ» ..الذي يعلم ذلك الغيب المحجوب،كما يعلم هذا الكون المشهود. والذي لا تخفى عليه خافية من أمر العباد،ولا يند عنه شأن من شؤونهم .. فأولى لهم أن يسلموا له ويعبدوه ويتقوه. وهكذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت