فهرس الكتاب

الصفحة 1578 من 4997

والمشهد الذي يرسمه السياق في جزاء هؤلاء الظالمين (أي المشركين) مشهد مفزع مرعب مكروب مرهوب.الظالمون في غمرات الموت وسكراته - ولفظ غمرات يلقي ظله المكروب - والملائكة يبسطون إليهم أيديهم بالعذاب،وهم يطلبون أرواحهم للخروج! وهم يتابعونهم بالتأنيب:

«وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ:أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ،وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ» ..وجزاء الاستكبار العذاب المهين،وجزاء الكذب على اللّه هذا التأنيب الفاضح .. وكله مما يضفي على المشهد ظلالا مكروبة،تأخذ بالخناق من الهول والكآبة والضيق! ثم في النهاية،ذلك التوبيخ والتأنيب من اللّه تعالى،الذي كذبوا عليه،وها هم أولاء بين يديه،يواجههم في موقف الكربة والضيق: «وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ» ! فما معكم إلا ذواتكم مجردة ومفردة كذلك. تلقون ربكم أفرادا لا جماعة. كما خلقكم أول مرة أفرادا،ينزل أحدكم من بطن أمه فردا عريان أجرد غلبان! ولقد ند عنكم كل شيء،وتفرق عنكم كل أحد وما عدتم تقدرون على شيء مما ملككم اللّه إياه «وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ» ..

تركتم كل شيء من مال وزينة،وأولاد ومتاع،وجاه وسلطان .. كله هناك متروك وراءكم،ليس معكم شيء منه،ولا تقدرون منه على قليل أو كثير! «وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ» ..

هؤلاء الذين كنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم في الشدائد،وكنتم تشركونهم في حياتكم وأموالكم،وتقولون:إنهم سيكونون عند اللّه شفعاءكم (كالذي كانوا يقولون: «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللّه زلفى!» ) سواء كانوا ناسا من البشر كهانا أو ذوي سلطان أو كانوا تماثيل من الحجر،أو أوثانا،أو جنا أو ملائكة،أو كواكب أو غيرها مما يرمزون به إلى الآلهة الزائفة،ويجعلون له شركا في حياتهم وأموالهم وأولادهم كما سيجيء في السورة.

فأين؟ أين ذهب الشركاء والشفعاء؟ «لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ» ..تقطع كل شيء. كل ما كان موصولا. كل سبب وكل حبل! «وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» ..وغاب عنكم كل ما كنتم تدّعونه من شتى الدعاوى. ومنها أولئك الشركاء،وما لهم من شفاعة عند اللّه أو تأثير في عالم الأسباب! إنه المشهد الذي يهز القلب البشري هزا عنيفا. وهو يشخص ويتحرك ويلقي ظلاله على النفس،ويسكب إيحاءاته في القلب،ظلاله الرعيبة المكروبة،وإيحاءاته العنيفة المرهوبة ..

إنه القرآن .. إنه القرآن ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت