فهرس الكتاب

الصفحة 1580 من 4997

«وهي تشبه في سياقها المتدافع بهذه المشاهد والمواقف والموحيات والإيقاعات والصور والظلال،مجرى النهر المتدافع بالأمواج المتلاحقة. لا تكاد الموجة تصل إلى قرارها،حتى تجد الموجة التالية ملاحقة لها،ومتشابكة معها،في المجرى المتصل المتدفق.

«وهي في كل موجة من هذه الموجات المتدافعة المتلاحقة المتشابكة،تبلغ حد الروعة الباهرة التي وصفنا ..مع تناسق منهج العرض في شتى المشاهد .. وتأخذ على النفس أقطارها بالروعة الباهرة،وبالحيوية الدافقة،وبالإيقاع التصويري والتعبيري والموسيقي،وبالتجمع والاحتشاد،ومواجهة النفس من كل درب ومن كل نافذة» إلخ ... إلخ ... [1]

إن هذه السمات كلها تتجلى في هذا الدرس،على أتمها وأوفاها .. إن القارئ يحس كأنما المشاهد تنبثق انبثاقا هي ومدلولاتها في التماع ولألاء. وهي تتدافع في انبثاقها أمام الحس،كما تتدافع إيقاعات التعبير اللفظي عنها لتتناسق معها. والمشاهد والتعبير يتوافيان كذلك مع المدلولات التي يعبران عنها،ويهدفان إليها! إن كل مشهد من هذه المشاهد كأنما هو انبثاقة لامعة رائعة تجيء من المجهول! وتتجلى للحواس والقلب والعقل في بهاء أخاذ ..

والعبارة ذاتها كأنما هي انبثاقة كذلك! وإيقاع العبارة يتناسق في بهاء مع المشهد ومع المدلول. يتناسق معه في قوة الانبثاق،وفي شدة اللألاء.

وتتدفق المدلولات والمشاهد والعبارات في موجات متلاحقة،يتابعها الحس في بهر! وما يكاد يصل مع الموجة إلى قرارها حتى يجد نفسه مندفعا مرة أخرى مع موجة جديدة .. كالذي حاولنا أن نصف به السورة في مطالعها من قبل! وصفحة الوجود بجملتها مفتوحة. والمشاهد تتوالى - وكدت أقول:تتواثب - من هنا ومن هناك في الصفحة الفسيحة الأرجاء ..

والجمال هو السمة البارزة هنا .. الجمال الذي يبلغ حد الروعة الباهرة .. المشاهد منتقاة وملتقطة من الزاوية الجمالية. والعبارات كذلك في بنائها اللفظي الإيقاعي،وفي دلالتها. والمدلولات أيضا - على كل ما تزخر به الحقيقة الأصيلة في هذه العقيدة - تتناول هذه الحقيقة من الزاوية الجمالية .. فتبدو الحقيقة ذاتها وكأنما تتلألأ في بهاء! ومما يوحي بالسمت الجمالي السابغ ذلك التوجيه الرباني إلى تملي الجمال في ازدهار الحياة وازدهائها: «انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ» .. فهو التوجيه المباشر إلى الجمال الباهر .. للنظر والتملي والاستمتاع الواعي [2] .

ثم ينتهي هذا الجمال إلى ذروته التي تروع وتبهر في ختام الاستعراض الكوني الحي،حين يصل إلى ما وراء هذا الكون الجميل البهيج الرائع .. إلى بديع السماوات والأرض الذي أودع الوجود كل هذه

(1) - ص 1015 - 1017 في هذا الجزء. ( السيد رحمه الله )

(2) - يراجع بتوسع فصل «الجمال في التصور الإسلامي» وفصل: «مشاهد الطبيعة في القرآن» في كتاب: «منهج الفن الإسلامي لمحمد قطب» . «دار الشروق» . ( السيد رحمه الله )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت