فهرس الكتاب

الصفحة 1581 من 4997

البدائع ..فيتحدث عنه - سبحانه - حديثا لا تنقل روعته إلا العبارة القرآنية بذاتها: «لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ،وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ» ..

وبعد،فنحن - في هذا الدرس - أمام كتاب الكون المفتوح،الذي يمر به الغافلون في كل لحظة.

فلا يقفون أمام خوارقه وآياته،ويمر به المطموسون فلا تتفتح عيونهم على عجائبه وبدائعه .. وها هو ذا النسق القرآني العجيب يرتاد بنا هذا الوجود،كأنما نهبط إليه اللحظة،فيقفنا أمام معالمه العجيبة،ويفتح أعيننا على مشاهده الباهرة،ويثير تطلعنا إلى بدائعه التي يمر عليها الغافلون غافلين! ها هو ذا يفقنا أمام الخارقة المعجزة التي تقع في كل لحظة من الليل والنهار .. خارقة انبثاق الحياة النابضة من هذا الموات الهامد .. لا ندري كيف انبثقت،ولا ندري من أين جاءت - إلا أنها جاءت من عند اللّه وانبثقت بقدر من اللّه. لا يقدر بشر على إدراك كنهها بله ابتداعها! وها هو ذا يقف بنا أمام دورة الفلك العجيبة .. الدورة الهائلة الدائبة الدقيقة .. وهي خارقة لا يعدلها شيءمما يطلبه الناس من الخوارق .. وهي تتم في كل يوم وليلة. بل تتم في كل ثانية ولحظة ..

وها هو ذا يقف بنا أمام نشأة الحياة البشرية .. من نفس واحدة .. وأمام تكاثرها بتلك الطريقة.

وها هو ذا يقف بنا أمام نشأة الحياة في النبات .. وأمام مشاهد الأمطار الهاطلة،والزروع النامية،والثمار اليانعة. وهي حشد من الحيوات والمشاهد،ومجال للتأمل والزيادة. لو نشاهدها بالحس المتوفز والقلب المتفتح.

وها هو ذا الوجود كله،جديدا كأنما نراه أول مرة. حيا يعاطفنا ونعاطفه،متحركا تدب الحركة في أوصاله،عجيبا يشده الحواس والمشاعر. ناطقا بذاته عن خالقه. دالا بآياته على تفرده وقدرته ..

وعندئذ يبدو الشرك باللّه - والسياق يواجه الشرك والمشركين بهذا الاستعراض - غريبا غريبا على فطرة هذا الوجود وطبيعته. وشائها شائها في ضمير من يشاهد هذا الوجود الحافل بدلائل الهدى ويتأمله. وتسقط حجة الشرك والمشركين،في مواجهة هذا الإيمان الغامر في مجالي الوجود العجيب ..

والمنهج القرآني - في خطاب الكينونة البشرية بحقيقة الألوهية وفي بيانه لموقف العبودية منها يجعل حقيقة الخلق والإنشاء للكون،وحقيقة الخلق والإنشاء للحياة،وحقيقة كفالة الحياة بالرزق الذي ييسره لها اللّه في ملكه،وحقيقة السلطان الذي يخلق ويرزق ويتصرف في عالم الأسباب بلا شريك .. يجعل من هذه الحقائق مؤثرا موحيا. وبرهانا قويا على ضرورة ما يدعو إليه البشر:من العبودية للّه وحده،وإخلاص الاعتقاد والعبادة والطاعة والخضوع له وحده .. وكذلك يجيء في السياق - بعد استعراض صفحة الوجود وانكشاف حقيقة الخلق والإنشاء والرزق والكفالة والسلطان - الدعوة إلى عبادة اللّه وحده،أي إلى إفراده سبحانه بالألوهية وخصائصها،في حياة العباد كلها وجعل الحاكمية والتحاكم إليه وحده في شؤون الحياة كافة،واستنكار ادعاء الألوهية أو إحدى خصائصها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت