فهرس الكتاب
وكانوا يجعلون هذا حراما وذلك حلالا! ومنه الميتة التي كانوا يحلونها ويقولون:ذبحها اللّه. فهي حلال بذبح اللّه! والقرآن يواجه هذا كله بحملة كاشفة يحشد فيها من المقررات الأساسية في العقيدة والمشاهد والحقائق المؤثرة ما يحشده في مواجهة قضية الشرك والإيمان في سياق السورة كله .. لأنها هي هي بعينها قضية الشرك والإيمان،في صورة تطبيقية واقعة ..
ومن خلال هذه الحملة يتبين أن القضية هي قضية هذا الدين كما هي قضية هذه العقيدة. فهذه التشريعات والتقاليد،إنما زينها للمشركين شركاؤهم الذين يشرعونها لهم ليدمروا حياتهم ويلبسوا عليهم دينهم. وتلبيس الدين وتدمير الحياة كلاهما مرتبطان. فإما شرع اللّه فهو الدين الواضح والحياة السليمة وإما شرع غير اللّه فهو الدين الغامض والحياة المهددة بالردى: «وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم» ..
ويتبين أن الشياطين وراء هذا العدول عن شرع اللّه ودينه،إلى شرع الشركاء ودينهم. وأن الشيطان وهو العدو المبين يقود خطى المشركين إلى الخسران والتدمير: «كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» ..
ويتبين أن التحريم والتحليل - بغير شرع اللّه - هو والشرك سواء. فهو شرك مثله،وأن إحالة شيء من هذا كله إلى مشيئة اللّه القاهرة هو دعوى يدعيها المشركون في جميع العصور. فقد شاءت إرادة اللّه أن تعطي الناس قدرا من الاختيار تبتليهم به ومن ثم فلا قهر على الشرك في كل صوره إنما هو الابتلاء ،وهم غير مفلتين من قبضة اللّه على كل حال. «سيقول الذين أشركوا:لو شاء اللّه ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء. كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. قل:هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون. قل:فلله الحجة البالغة،فلو شاء لهداكم أجمعين» .
ثم نجد موقفا للإشهاد على أن اللّه حرم هذا الذي يحرمونه يذكرنا بموقف الإشهاد على قضية الألوهية في أول السورة .. ذلك أنها قضية واحدة في الحقيقة. فمزاولة التشريع مزاولة لخصائص الألوهية .. وهي هي بذاتها القضية: «قل:هلم شهداءكم الذين يشهدون أن اللّه حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم. ولا تتبع أهواء الذين كذّبوا بآياتنا،والذين لا يؤمنون بالآخرة،وهم بربهم يعدلون» .. ويذكرنا التعبير «يعدلون» هنا بأنه هو بذاته اللفظ الذي استخدم في قضية الألوهية في أول السورة. كما ذكرنا في التعريف بالسورة [1] .
ثم تختم هذه الحملة ببيان أن هذا الذي قرره اللّه في قضية التشريع والتقاليد في الثمار والأنعام والأولاد هو صراط اللّه المستقيم .. ذات التعبير الذي استخدم من قبل في قضية تحريم الذبائح وتحليلها .. كما
(1) - الجزء السابع:ص 1004 - 1015 ( السيد رحمه الله )