فهرس الكتاب
استخدم بذاته في قضية الألوهية في أول السورة كما ذكرنا في التعريف بالسورة: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (153) سورة الأنعام
ولا ينتهي السياق بهذا الحشد الذي اقتطفنا منه هذه الإشارات .. بل يمضي في طريقه يتحدث عن كتاب موسى الذي جاء لقوم موسى: «تَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ» وعن هذا الكتاب المبارك الذي نزله اللّه ليتبعه المسلمون ويتقوا لعلهم يرحمون. ولتنقطع حجتهم بأن الكتاب قد نزل على اليهود والنصارى من قبل. وأنهم هم لم يجئهم كتاب يفصل لهم كل شيء فيعرفوا ما شرعه اللّه حقا وما يقال لهم إنه من شرع اللّه افتراء! يتبع هذا تهديد الذين لا يتبعون ما جاء به رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ويبقون على ما هم عليه من شرائع جاهلية ينسبونها إلى اللّه افتراء عليه،ويتعللون بطلب الخوارق التي تحملهم على التصديق والاتباع ..
تهديدهم بأن هذه الخوارق التي يطلبونها ستكون يوم تجيء هي فصل الخطاب حيث يتبعها الدمار والهلاك: «هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك؟ يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا. قل:انتظروا إنا منتظرون» ..
ثم مفاصلة بين رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - والدين الذي جاء به والأمة المسلمة وبين أولئك الذين يحلون ويحرمون بغير شرع اللّه ويشترعون لأنفسهم ثم يزعمون أنها شريعة اللّه: «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيء. إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ،ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ» .. هكذا واضحة صريحة: «لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيء» ..
وفي ختام السياق كله - السياق الذي واجه قضية الشرع والحكم هذه المواجهة بمناسبة تبدو في ظاهرها جزئية - يجيء الإيقاع الشامل لقضية العقيدة بجملتها ولقضية الدين برمتها .. العقيدة المستكنة في القلب والضمير.
والدين الذي يترجم هذه العقيدة إلى نظام ومنهج للحياة: « قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) » .
إنها جملة قضايا العقيدة والدين:في الدنيا والآخرة. في المحيا والممات. في العمل والجزاء. في العبادة والسلوك .. كلها يجمعها المنهج الرباني ليعقب بها في ذلك الإيقاع الجليل الرهيب الحبيب،على قضية الحاكمية والتشريع،ممثلة في أبسط مظاهرها في الحياة اليومية ومطاعمها ومشاربها! ذلك أنها هي قضية الألوهية والربوبية في أضخم مجالاتها وأخطر مواقفها ..