فهرس الكتاب
الإنسان يغوونهم ويضلونهم،وهم قادرون على الوسوسة لهم والإيحاء بطريقة لا نعلمها. وأن هؤلاء الشياطين لا سلطان لهم على المؤمنين الذاكرين.
وأن الشيطان مع المؤمن إذا ذكر اللّه خنس وتوارى،وإذا غفل برز فوسوس له! وأن المؤمن أقوى بالذكر من كيد الشيطان الضعيف. وأن عالم الجن يحشر مع عالم الإنس ويحاسب ويجازى بالجنة وبالنار كالجنس الإنساني. وأن الجن حين يقاسون إلى الملائكة يبدون خلقا ضعيفا لا حول له ولا قوة! وفي هذه الآية نعرف أن اللّه سبحانه قد جعل لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن ..
ولقد كان اللّه - سبحانه - قادرا - لو شاء - ألا يفعلوا شيئا من هذا .. ألا يتمردوا وألا يتمحضوا للشر وألا يعادوا الأنبياء وألا يؤذوا المؤمنين وألا يضلوا الناس عن سبيل اللّه .. كان اللّه سبحانه قادرا أن يقهرهم قهرا على الهدى أو أن يهديهم لو توجهوا للهدى أو أن يعجزهم عن التصدي للأنبياء والحق والمؤمنين به ..
ولكنه سبحانه ترك لهم هذا القدر من الاختيار. وأذن لهم أن تمتد أيديهم بالأذى لأولياء اللّه - بالقدر الذي تقضي به مشيئته ويجري به قدره - وقدر أن يبتلي أولياءه بأذى أعدائه كما يبتلي أعداءه بهذا القدر من الاختيار والقدرة الذي أعطاهم إياه. فما يملك هؤلاء أن يوقعوا بأولياء اللّه من الأذى إلا ما قدره اللّه: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ» ..
فما الذي يخلص لنا من هذه التقريرات؟
يخلص لنا ابتداء:أن الذين يقفون بالعداوة لكل نبي ويقفون بالأذى لأتباع الأنبياء .. هم «شياطين» !.
شياطين من الإنس ومن الجن .. وأنهم يؤدون جميعا - شياطين الإنس والجن - وظيفة واحدة! وأن بعضهم يخدع بعضا ويضله كذلك مع قيامهم جميعا بوظيفة التمرد والغواية وعداء أولياء اللّه ..
ويخلص لنا ثانيا:أن هؤلاء الشياطين لا يفعلون شيئا من هذا كله،ولا يقدرون على شيء من عداء الأنبياء وإيذاء أتباعهم بقدرة ذاتية فيهم. إنما هم في قبضة اللّه. وهو يبتلي بهم أولياءه لأمر يريده. من تمحيص هؤلاء الأولياء،وتطهير قلوبهم،وامتحان صبرهم على الحق الذي هم عليه أمناء. فإذا اجتازوا الامتحان بقوة كف اللّه عنهم الابتلاء . وكف عنهم هؤلاء الأعداء. وعجز هؤلاء الأعداء أن يمدوا إليهم أيديهم بالأذى وراء ما قدر اللّه. وآب أعداء اللّه بالضعف والخذلان وبأوزارهم كاملة يحملونها على ظهورهم: «وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ» ..
ويخلص لنا ثالثا:أن حكمة اللّه الخالصة هي التي اقتضت أن يترك لشياطين الإنس والجن أن يتشيطنوا - فهو إنما يبتليهم في القدر الذي تركه لهم من الاختيار والقدرة - وأن يدعهم يؤذون أولياءه فترة من الزمان - فهو إنما يبتلي أولياءه كذلك لينظروا:أيصبرون؟ أيثبتون على ما معهم من الحق بينما الباطل ينتفش عليهم ويستطيل؟ أيخلصون من حظ أنفسهم في أنفسهم ويبيعونها بيعة واحدة للّه،على السراء وعلى الضراء سواء.