ومضت كل هذه السنوات غنيةً بالإنتاج للدعوة الإسلامية،وكان أول ما كتبه فيها كتابه"في ظلال القرآن"الذي سيشار إليه في الحديث عن مؤلفاته إن شاء الله.
وفي عام 1965 أُعيد إلى السجن من جديد متهمًا برئاسة مؤامرة دبرها الإخوان المسلمون لقلب نظام الحكم سنة 1965م..
وقُدم أمام محكمة صورية هزلية أمام أحد الضباط،وكان ممن أسرته إسرائيل قبل ذلك سنة 1956 وقدمته أمام شاشة التليفزيون ذليلًا مهينًا لم يجرؤ أن يقول كلمةً طيبةً عن وطنه أو سادته الطغاة... وكان هذا الصنف المتملق الجبان هو أصلح من يتولى محاكمة الشرفاء؛ لأنه عَجز أن يملك ما يملكه الشرفاء...
وفي صبيحة يوم 29 أغسطس نُفِّذ فيه حكم الإعدام،فلقي ربه بصفحة مشرقة من الرجولة والبطولة والوفاء.
في رحاب السجون
قلنا إنه ظهر لنا من خصائص شخصية طفل القرية إباءه للظلم وكرهه للطغاة،وحين عنَّ للظالم أن يقهر كبار الإخوان في عزتهم وإبائهم عرض عليهم أن يكتبوا تأييدًا له إذا أرادوا الخروج من محنتهم!. وضُلل في هذا التيه كثير،وصمد له كثير،ومن بينهم شهيدنا الغالي الذي ردّ على الضابط السجّان بقولته المشهورة:"إن السبابة التي أشهد بها في كل صلاة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لا يمكن أن تكتب سطرًا فيه ذلّ أو عبارة فيها استجداء،فإن كنت مسجونًا بحق فأنا أرضى بالحق،وإن كنت مسجونًا بباطل فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل"...! وربما يعزينا في هذا المقام أن نسمع بعضًا من أحاديث الشهيد لأسرته وذويه في أثناء سجنه،حين يقول في إحدى رسائله:"عندما نعيش لذواتنا فحسب،تبدو لنا الحياة قصيرةً ضئيلةً،تبدأ من حيث بدأنا نعي،وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود!! أما عندما نعيش لغيرنا،أي عندما نعيش لفكرة فإن الحياة تبدو طويلةً عميقةً،تبدأ من حيث بدأت الإنسانية وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض. إننا نربح أضعاف عمرنا الفردي في هذه الحالة،نربحها حقيقةً لا وهمًا،فتصور الحياة بعدد السنين ولكن بعداد المشاعر،وما يسميه (الواقعيون) في هذه الحالة (وهمًا) ! وهو في (الواقع) (حقيقة) أصحّ من كل حقائقهم؛ لأن الحياة ليست شيئًا آخر غير الشعور الإنساني للحياة،جرِّد أي إنسان من الشعور بحياته،تجرده من الحياة ذاتها في معناها الحقيقي! ومتى أحسّ الإنسان شعورًا مضاعفًا بحياته فقد عاش حياة مضاعفة فعلًا.."
وتقرأ له سلوكه كداعية مع الناس في شرهم وخيرهم،فترى من دقة فهمه ورقة حسِّه ما جعله أهلًا لإيصال الحق للنفوس الحيرى:"عندما نلمس الجانب الطيب في نفوس الناس،نجد أن هناك خيرًا كثيرًا قد تراه العيون أول وهلة.... لو جربت ذلك مع الكثير،حتى الذين يبدو في أول الأمر أنهم شريرون أو فقراء الشعور.. شيء من العطف على أخطائهم وحماقاتهم،شيء من الوُد الحقيقي لهم،شيء من"