فهرس الكتاب
العناية - غير المتصنعة - باهتمامهم وهمومهم ثم ينكشف لك النبع الخير في نفوسهم،حين يمنحوك حبهم ومودتهم وثقتهم في مقابل القليل الذي أعطيتهم إياه في صدق وصفاء وإخلاص،إن الشر ليس عميقًا في النفس الإنسانية إلى الحد الذي تتصوره أحيانًا أنه في تلك القشرة الصلبة من الثمرة الحلوة للحياة التي تتكشف لمن يستطيع أن يشعر الناس بالأمن في جانبه،بالثقة في مودته،بالعطف الحقيقي على كفاحهم وآلامهم،وعلى أخطائهم وعلى حماقاتهم كذلك.. وشيء من سعة الصدر في أول الأمر كفيل بتحقيق ذلك كله،أقرب مما يتوقع الكثيرون،لقد جربت ذلك،جربته بنفسي فلست أطلقها مجرد كلمات مجنحة وليدة أحلام وأوهام...!". ويؤكد لك روح الداعية فيه،وسمت تواضع المؤمن الذليل لأخيه العزيز على الطاغية والطاغوت ما تسمعه منه حين يقول:-"حين نعتزل الناس لأننا نحس أنَّا أطهر منهم روحًا،أو أطيب منهم قلبًا،أو أرحب منهم نفسًا،أو أذكى منهم عقلًا لا نكون قد صنعنا شيئًا كبيرًا... لقد اخترنا لأنفسنا أيسر السبل وأقلها مؤونةً!!
إن العظمة الحقيقة:أن نخالط هؤلاء الناس مشبعين بروح السماحة والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم،وروح الرغبة الحقيقة في تطهيرهم وتثقيفهم ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع.
إنه ليس معنى هذا أن نتخلى عن آفاقنا العليا ومثلنا السامية أو أن نتملق هؤلاء الناس ونثني على رذائلهم،أو نشعرهم أننا أعلى منهم أفقًا،إن التوفيق بين هذه المتناقضات وسعة الصدر لما يتطلبه هذا التوفيق من جهاد هو العظمة الحقيقة"."
وحين تشهد نور كلماته في مؤلفاته المشرقة بالحق والجمال تعرف من خلالها كيف يسكب فيها مهجته ودمه ونبض قلبه وروحه،ومن أقواله:"إنه ليست كل كلمة تبلغ إلى قلوب الآخرين فتحركها وتجمعها وتدفعها... إنها الكلمات التي تقطر دمًا،لأنها تقتات قلب إنسان حي..."
كل كلمة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان،وإن الكلمات التي ولدت في الأفواه وقذفت بها الألسن،ولم تصل إلى ذلك النبع الإلهي الحي فلقد ولدت ميتةً ولم تدفع بالبشرية شبرًا واحدًا إلى الأمام... إن أحدًا لن يتبناها لأنها ولدت ميتةً،والناس لا يتبنون الأموات! إن أصحاب الكلمات والأقلام يستطيعون أن يصنعوا شيئًا كثيرًا.. ولكن بشرط واحد أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم،أن يُطعموا أفكارهم من لحومهم ودمائهم،أن يقولوا ما يعتقدون أنه حق،ويقدموا دماءهم فداءً لكلمة الحق.
"إن أفكارنا وكلماتنا تظل جثةً هامدة،حتى إذا متنا في سبيلها أو فديناها بالدماء انتفضت حيةً وعاشت بين الأحياء.."
ولعله من الإنصاف أن نقدم طرفًا مما يعرفه له بعض أصدقائه الذين ألفوا كتبًا عنه،وهو الأستاذ يوسف العظم فيقول:"وكان موثوقًا،التف حوله إخوانه بين جدران السجن أو في جنبات المجتمع،إنه حقًا قطب الجماعة والجبل الذي يُلتف حوله ويفتدى به لو استطيع بالغالي والنفيس،وكان مخلصًا،داس بكبريائه على مناصب الطغاة عن قناعة،ورفض كل لين أو هون يقوده إلى نعيم الدنيا"