فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 4997

ويحرمه من نعيم الآخرة.. أبى المساومة على كرامة الدعوة والداعية.. وقد أغرته السلطة بمنصب وزير المعارف في أعقاب قيام الثورة فأبى.. وعرضوا عليه منصب السكرتير العام لهيئة التحرير المصرية أول بذرة للحزب الواحد في مصر الثورة.. ولكنه عدّ ذلك هراءً ولغو حديث؛ طالما مطالب الثورة تنحصر يوم ذاك في هتاف وصياح ومواكب تطبيل وتزمير،حاولوا خداعه فعرضوا عليه وهو سجين أن يكون مرشدًا عامًا للإخوان المسلمين مكان المرشد الصابر حسن الهضيبي،فسخر من تجار المساومة وأكد لهم التفاف الإخوان حول مرشدهم،ثم قال للطغاة ناصحًا:"أكون غاشًا حينما أقول:إن الإخوان يجتمعون على غير مرشدهم حسن الهضيبي".

محاكمة الشهيد:

وربما أضيف جديدًا إلى القارئ عن ظروف محاكمة الشهيد سيد قطب بما كتبه عنه الأستاذ يوسف العظم في كتابه الذي دوَّنه عنه:"أما المحكمة التي قُدم إليها الشهيد سيد قطب وإخوانه فليست جديدةً على كل حال.. لقد عرفتها مصر الثورة من قبل،كان ذلك عام 1954م حين قدمت العالم الشهيد عبد القادر عودة،والمجاهد محمد فرغلي،وفريقًا من طلائع الفداء جزءًا من مسرحية ساخرة وتمثيلية دامية.. انتهت بهم إلى حبال المشانق،في الوقت الذي أعيد فيه ثلاثة عشر بحارًا يهوديًا من بحارة السفينة اليهودية (بات جاليم) إلى إسرائيل وألسنتهم تلهج بالشكر والثناء والدعاء للثورة التي أحسنت معاملتهم وأكرمت مثواهم في جناح مفروش مؤثث بكل وسائل الراحة في السجن الحربي العتيد!! وزيادةً في تكريمهم.. وتقديم البرهان والدليل على حسن نوايا الثوار والأحرار كان الجلادون يُمتعون (اليهود الضيوف) بجَلد أبناء الشعب المصري تحت سمعهم وبصرهم.. والبحارة اليهود يستمتعون بالدجاج المحمر طعامًا،والخمر شرابًا،في حمى الثورة حامية الشعب.. صانعة الحرية!"

قد يبدو هذا خيالًا ولكنها الحقيقة التي هي أغرب من الخيال،وقد يبدو هذا مبالغةً،ولكنه الواقع الذي يفوق المبالغة،نشرت معظمه صحف الثورة يومذاك في معرض الحديث عما سمته جرائم الإخوان المسلمين.. وحسن معاملة الثورة لأسرى الدولة اليهودية!!

أما هذه المرة فقد أعلنت"مصر الثورة"بمناسبة زيارة المشير عبد الحكيم عامر إلى فرنسا،وفي الوقت الذي كان فيه الشهيد سيد قطب يُقدم للموت،أن قضية التجسس لصالح إسرائيل،والتي اتهم بها المكتب التجاري الفرنسي كأنها لم تكن،وأُخلي سبيل المتهمين عربونًا جديدًا من الثورة والثوار على أن مطاردة الأحرار أولى من مطاردة الجواسيس،وأن قتل الأبرياء من قادة الفكر ورجال العقيدة هو الهدف الأول والأخير من أهداف ثورة التحرير..والطلائع الثورية!!..

ونعود إلى قاعة المحكمة لنلتقي بأعجب حلف يجمع بين القاضي والدفاع والنيابة العامة والجمهور حيث يتمارى الجميع في إلصاق ما يرون للسلطان من تهم،وهم يسخرون من إنسان سلبوه كل مقومات الدفاع عن النفس وحرموه من أبسط مقومات الحرية!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت