فهرس الكتاب

الصفحة 169 من 4997

إن القاضي في كل الشرائع والقوانين الكونية يسمع رأي النائب العام الذي يحاول إدانة المتهم،ثم رأي الدفاع الذي يبذل جهده لتبرئة موكله،ثم رأي المتهم إن رغب في ذلك وكان لديه ما يقوله.

أما القاضي في محاكم الثورة العتيدة المتعافية فمهامه كثيرة،ليس بينها الإصغاء بتعقل،والاستيعاب بإنصاف وتقصي الحقيقة بتجرد - ليصدر الحكم بعد ذلك بنزاهة لا يشوبها سوى عجز الإنسان عن إدراك الحقيقة وبلوغ الحق المطلق.

إن القاضي في محاكم الثورة التي أُلَِّفت قصتها ووضع حوارها وتم إخراجها على يد رجال المخابرات،همه تنفيذ المؤامرة وسوْق الأبرياء إلى حبال المشانق وزنازين الطغاة.. وإذا كان القاضي يقوم بدور الممثل الأول.. فالجمهور يقوم بدور"الكومبارس"ذلك أن كل خفقة في صدره ونبضة من دمه وخلجة في وجهه وكلمة ينطق بها.. كلها تعلن تحيزه وتؤكد أن الحكم صادر في مخيلته،واضح في تصوره قبل بدء المحاكمة،وكل ما يجري على ملأ الجمهور تمثيل في استوديوهات دوائر المخابرات التي يسمونها محكمة الثورة!!

ولكي تقرب الصورة للقارئ.. وينقل إلى أجواء الإنصاف الثوري والعدالة الاشتراكية،لا بد من سرد وقائع ونقل ألفاظ وعبارات بعينها صدرت في قاعة المحكمة التي حكمت على الداعية الشهيد وصحبه الأبرار بالموت.

لا يُسمح للجمهور بالدخول إلى قاعة المحكمة إلا ببطاقات أُعدت من قبل،ووزعت قبل بدء المحاكمة بأسبوع على الأقل.. تمامًا كتلك التي توزعها مؤسسات تلفزيونية معينة تختار بها نوعيةً معينةً من الناس لتحضر برنامجًا من برامج الجوائز والمسابقات!!

وإذا علمنا أن دوائر المخابرات الثورية هي التي تقوم بطبع البطاقات وتوزيعها،أدركنا أي جمهور هذا الذي يحتل المقاعد في قاعة المحكمة ويطلق النِكات بين الحين والحين،لينال من عِرض متهم،أو يهزأ بكرامة سجين،بالإضافة إلى الضحك الصاخب المشترك الذي يطلقه الجمهور الكريم تجاوبًا مع ما يطلقه القاضي النزيه والحكم العادل من نِكات بذيئة أو لغو حديث!!

والنائب العام.. أو المدعي العام..إنه لا يسوق الأدلة على الإدانة،ولكنه يسوق عبارات السخرية والألقاب التي تبدأ بـ (القطب الأغر) و (القطب اللامع) ،وتنتهي (بزعيم الإجرام وعصابة الإرهاب الآثمة) .

أما الأدلة والحجج فلا داعي لها؛ ألا يكفي أن أبواق الإعلام المسعورة خارج القاعة وقبل يوم المحاكمة قد مهّدت الأجواء والأصداء،وأصدرت حكمها مسبقًا على المتهمين،وأعلنت خيانتهم،وطالبت أن يًُحكم على البعض بالموت والبعض بالسجن المؤبد... ومن الغريب العجيب أن تأتي مطالبة النائب العام بنسخة مما تطالب به الصحف وما ترجوه الإذاعة وما يرغب فيه التليفزيون،وأن تجيء أحكام القاضي النزيه مطابقةً منسجمةً مع تلك المطالب وتلك الرغبات!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت