فهرس الكتاب
ونقف بين يدي القاضي لنسمع العجب العجاب:
يسأل المتهم،فإذا ما نهض البريء المعذب للإجابة،انطلق القاضي قائلًا:"ما فيش داعي.. خلاص ما أنا عارف إنت حاتقول إيه أنا أقول الحكاية.."ويحاول المتهم أن يسرد جزءًا من الجواب على السؤال الموجَّه له.. فيقاطعه القاضي العادل بقوله.."أيوه حتقول لنا معالم في الطريق.. كفاية بأه... اجلس مكانك"!
ومحامو الدفاع في قضية الأبرياء... أمرهم لا يقل عجبًا وموقفهم لا يقل غرابةً،إن مهمتهم في المحكمة تنحصر في كيْل المديح لعدالة القاضي بعد دعاء خاشع أن يحفظ الله الرئيس المفدّى من كل سوء.. ثم لمحة عن تاريخ الرئيس التي سخرته العناية الإلهية لرفع مستوى الشعب المصري،وإنقاذه من الذل والمهانة،ويختم الدفاع خطبته بفقرتين مهمتين.. الأولى اتهام السجين الذي يدافع عنه المحامي الأمين بالجنون أو المرض النفسي أو الكذب والحقد والغرور،والثانية يطلب بها رحمة المحكمة.
لقد منعت السلطات الظالمة يومذاك عددًا من المحامين العرب الذين تطوعوا من السودان والمغرب والأردن وغيرها للدفاع عن المتهمين.. منعتهم من دخول مصر والمرافعة أمام محكمة الثورة.. وفي الوقت الذي تعلن فيه قرارات مؤتمر المحامين العرب أنه لا يحق لأى محام عربي أن يترافع أمام محكمة عربية،ولم يجد مثل هذا القرار الجائر موقفًا منصفًا أو اعتراضًا كريمًا من محامىّ التقدمية والثورية في كل أجزاء الوطن العربي المنكوب!!
ولما لاحظ القائمون على أمر المحاكمة خارج المحكمة أن نشر وقائع الجلسة ولو مزورةً مشوهةً يُطلع الناس على جانب من الحقيقة ويبين لهم بعض الحق.. أمروا بمنع نشر وقائع الجلسات على الصحف.. وقد نسوا أنها جلسات علنية كما أعلنوا... واكتفوا بنشر خبر لا يتعدى أربعة أسطر يشير إلى أن محاكمة المتهمين ما زالت جارية... وأن الأحكام ستصدر قريبًا.
ولو قُدِّر للجمهور المُبعد عن قاعة المحكمة أن ينفذ إليها،وأن يحتل مقاعدها لوجد كثيرًا من مواقف الجرأة التي يعلنها الشباب المؤمنون والسجناء الأبرياء بأنهم أصحاب عقيدة.. وأنهم يعملون لخلاص ديارهم من كل طاغوت،وإنقاذها من كل تبعية!!..
ولقد وقف الداعية الشهيد سيد قطب يسخر من المحكمة التي أمر قاضيها وطلب إليه أن يذكر الحقيقة كما يريدها لا كما وقعت،فقال وقد كشف عن صدره وظهره الممزق بالسياط وأنياب الكلاب البوليسية الثورية:أتريدون الحقيقة... هذه هي الحقيقة!!!
فضجت القاعة بالاشمئزاز وأشاح الجمهور بوجهه؛ ألمًا وازدراءً لما يقع في سجون مصر الثورة.. رغم أن معظم جمهور القاعة من زبانية الثورة وزبائن المخابرات،كان الناس يتتبعون بلهفة ما يجري في محكمة الثورة.. وكانوا على علم من مجريات الحوادث وسرد الوقائع ولهجة القاضي والنيابة