إن الشرك - في كل صوره - هو المحرم الأول لأنه يجر إلى كل محرم. وهو المنكر الأول الذي يجب حشد الإنكار كله له حتى يعترف الناس أن لا إله لهم إلا اللّه،ولا رب لهم إلا اللّه،ولا حاكم لهم إلا اللّه،ولا مشرع لهم إلا اللّه. كما أنهم لا يتوجهون بالشعائر لغير اللّه ..
وإن التوحيد - على إطلاقه - لهو القاعدة الأولى التي لا يغني غناءها شيء آخر،من عبادة أو خلق أو عمل ..من أجل ذلك تبدأ الوصايا كلها بهذه القاعدة: « أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» ..
وينبغي أن نلتفت إلى ما قبل هذه الوصايا،لنعلم ماذا يراد بالشرك الذي ينهى عنه في مقدمة الوصايا - لقد كان السياق كله بصدد قضية معينة - قضية التشريع ومزاولة حق الحاكمية في إصداره - وقبل آية واحدة كان موقف الإشهاد الذي يحسن أن نعيد نصه: «قُلْ:هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا. فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ. وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا،وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ،وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» ..
يجب أن نذكر هذه الآية،وما قلناه عنها في الصفحات السابقة لندرك ماذا يعني السياق القرآني هنا بالشرك الذي ينهى عنه ابتداء .. إنه الشرك في الاعتقاد،كما أنه الشرك في الحاكمية. فالسياق حاضر،والمناسبة فيه حاضرة ..
ونحن نحتاج إلى هذا التذكير المستمر،لأن جهود الشياطين في زحزحة هذا الدين عن مفهوماته الأساسية،قد آتت ثمارها - مع الأسف - فجعلت مسألة الحاكمية تتزحزح عن مكان العقيدة،وتنفصل في الحس عن أصلها الاعتقادي! ومن ثم نجد حتى الغيورين على الإسلام،يتحدثون لتصحيح شعيرة تعبدية أو لاستنكار انحلال أخلاقي أو لمخالفة من المخالفات القانونية. ولكنهم لا يتحدثون عن أصل الحاكمية،وموقعها من العقيدة الإسلامية! يستنكرون المنكرات الجانبية الفرعية،ولا يستنكرون المنكر الأكبر وهو قيام الحياة في غير التوحيد أي على غير إفراد اللّه - سبحانه - بالحاكمية ..
إن اللّه قبل أن يوصي الناس أي وصية،أوصاهم ألا يشركوا به شيئا. في موضع من السياق القرآني يحدد المعنيّ بالشرك الذي تبدأ بالنهي عنه جميع الوصايا! إنها القاعدة التي يرتبط على أساسها الفرد باللّه على بصيرة،وترتبط بها الجماعة بالمعيار الثابت الذي ترجع إليه في كافة الروابط وبالقيم الأساسية التي تحكم الحياة البشرية .. فلا تظل نهبا لريح الشهوات والنزوات،واصطلاحات البشر التي تتراوح مع الشهوات والنزوات ..
«وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا. وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ» ..إنها رابطة الأسرة بأجيالها المتلاحقة - تقوم بعد الرابطة في اللّه ووحدة الاتجاه - ولقد علم اللّه - سبحانه - أنه أرحم بالناس من الآباء والأبناء. فأوصى الأبناء بالآباء،وأوصى الآباء بالأبناء وربط الوصية بمعرفة ألوهيته