الواحدة،والارتباط بربوبيته المتفردة. وقال لهم:إنه هو الذي يكفل لهم الرزق،فلا يضيقوا بالتبعات تجاه الوالدين في كبرتهما ولا تجاه الأولاد في ضعفهم،ولا يخافوا الفقر والحاجة فاللّه يرزقهم جميعا ..
«وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ» ..ولما وصاهم اللّه بالأسرة،وصاهم بالقاعدة التي تقوم عليها - كما يقوم عليها المجتمع كله - وهي قاعدة النظافة والطهارة والعفة. فنهاهم عن الفواحش ظاهرها وخافيها .. فهو نهي مرتبط تماما بالوصية السابقة عليها .. وبالوصية الأولى التي تقوم عليها كافة الوصايا.
إنه لا يمكن قيام أسرة،ولا استقامة مجتمع،في وحل الفواحش ما ظهر منها وما بطن .. إنه لا بد من طهارة ونظافة وعفة لتقوم الأسرة وليقوم المجتمع. والذين يحبون أن تشيع الفاحشة هم الذين يحبون أن تتزعزع قوائم الأسرة وأن ينهار المجتمع.
والفواحش:كل ما أفحش - أي تجاوز الحد - وإن كانت أحيانا تخص بنوع منها هو فاحشة الزنا.
ويغلب على الظن أن يكون هذا هو المعنى المراد في هذا الموضع. لأن المجال مجال تعديد محرمات بذاتها،فتكون هذه واحدة منها بعينها. وإلا فقتل النفس فاحشة،وأكل مال اليتيم فاحشة،والشرك باللّه فاحشة الفواحش. فتخصيص «الفواحش» هنا بفواحش الزنا أولى بطبيعة السياق. وصيغة الجمع،لأن هذه الجريمة ذات مقدمات وملابسات كلها فاحشة مثلها. فالتبرج،والتهتك،والاختلاط المثير،والكلمات والإشارات والحركات والضحكات الفاجرة،والإغراء والتزيين والاستثارة ... كلها فواحش تحيط بالفاحشة الأخيرة. وكلها فواحش منها الظاهر ومنها الباطن. منها المستسر في الضمير ومنها البادي في الجوارح.منها المخبوء المستور ومنها المعلن المكشوف! وكلها مما يحطم قوام الأسرة،وينخر في جسم الجماعة،فوق ما يلطخ ضمائر الأفراد،ويحقر من اهتماماتهم،ومن ثم جاءت بعد الحديث عن الوالدين والأولاد.
ولأن هذه الفواحش ذات إغراء وجاذبية،كان التعبير: «وَلا تَقْرَبُوا» .. للنهي عن مجرد الاقتراب،سدا للذرائع،واتقاء للجاذبية التي تضعف معها الإرادة .. لذلك حرمت النظرة الثانية - بعد الأولى غير المتعمدة - ولذلك كان الاختلاط ضرورة تتاح بقدر الضرورة. ولذلك كان التبرج - حتى بالتعطر في الطريق - حراما،وكانت الحركات المثيرة،والضحكات المثيرة،والإشارات المثيرة،ممنوعة في الحياة الإسلامية النظيفة .. فهذا الدين لا يريد أن يعرض الناس للفتنة ثم يكلف أعصابهم عنتا في المقاومة! فهو دين وقاية قبل أن يقيم الحدود،ويوقع العقوبات. وهو دين حماية للضمائر والمشاعر والحواس والجوارح. وربك أعلم بمن خلق،وهو اللطيف الخبير ..
وكذلك نعلم ما الذي يريده بهذا الدين،وبحياة المجتمع كله وبحياة الأسرة،من يزينون للناس الشهوات،ومن يطلقون الغرائز من عقالها بالكلمة والصورة والقصة والفيلم وبالمعسكر المختلط وبسائر أدوات التوجيه والإعلام! «وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ» ..