وقد سبق أنها سلطة الخالق الرازق المتصرف في حياة الناس! وهذا وذلك فوق ما في الطائفة الأولى من التجانس. وما بين الطائفة الثانية كذلك من التجانس. فجعل هذه في آية،وتلك في آية،وبينهما هذا الإيقاع.
« وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ» ..
واليتيم ضعيف في الجماعة،بفقده الوالد الحامي والمربي. ومن ثم يقع ضعفه على الجماعة المسلمة - على أساس التكافل الاجتماعي الذي يجعله الإسلام قاعدة نظامه الاجتماعي [1] - وكان اليتيم ضائعا في المجتمع العربي في الجاهلية. وكثرة التوجيهات الواردة في القرآن وتنوعها وعنفها أحيانا تشي بما كان فاشيا في ذلك المجتمع من ضيعة اليتيم فيه حتى انتدب اللّه يتيما كريما فيه فعهد إليه بأشرف مهمة في الوجود. حين عهد إليه بالرسالة إلى الناس كافة،وجعل من آداب هذا الدين الذي بعثه به رعاية اليتيم وكفالته على النحو الذي نرى منه هذا التوجيه: «وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ» .فعلى من يتولى اليتيم ألا يقرب ماله إلا بالطريقة التي هي أحسن لليتيم. فيصونه وينميه،حتى يسلمه له كاملا ناميا عند بلوغه أشده. أي اشتداد قوته الجسمية والعقلية. ليحمي ماله،ويحسن القيام عليه. وبذلك تكون الجماعة قد أضافت إليها عضوا نافعا وسلمته حقه كاملا.
وهناك خلاف فقهي حول سن الرشد أو بلوغ الأشد .. عند عبد الرحمن بن زيد وعند مالك،بلوغ الحلم. وعند أبي حنيفة خمسة وعشرون عاما. وعند السدي ثلاثون،وعند أهل المدينة بلوغ الحلم وظهور الرشد معا بدون تحديد.
«وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ - لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها - » .
وهذه في المبادلات التجارية بين الناس في حدود طاقة التحري والإنصاف. والسياق يربطها بالعقيدة لأن المعاملات في هذا الدين وثيقة الارتباط بالعقيدة. والذي يوصي بها ويأمر هو اللّه. ومن هنا ترتبط بقضية الألوهية والعبودية،وتذكر في هذا المعرض الذي يبرز فيه شأن العقيدة،وعلاقتها بكل جوانب الحياة ..
ولقد كانت الجاهليات - كما هي اليوم - تفصل بين العقيدة والعبادات،وبين الشرائع والمعاملات .. من ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن قوم شعيب: «قالُوا:يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا» ؟! ومن ثم يربط السياق القرآني بين قواعد التعامل في المال والتجارة والبيع والشراء،وبين هذا المعرض الخاص بالعقيدة،للدلالة على طبيعة هذا الدين،وتسويته بين العقيدة والشريعة،وبين العبادة والمعاملة،في أنها كلها من مقومات هذا الدين،المرتبطة كلها في كيانه الأصيل.
(1) - يراجع بتوسع فصل: «مجتمع متكافل» في كتاب: «نحو مجتمع إسلامي» . ( السيد رحمه الله )