فهرس الكتاب

الصفحة 1667 من 4997

«وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى » ..

وهنا يرتفع الإسلام بالضمير البشري - وقد ربطه باللّه ابتداء - إلى مستوى سامق رفيع،على هدى من العقيدة في اللّه ومراقبته .. فهنا مزلة من مزلات الضعف البشري. الضعف الذي يجعل شعور الفرد بالقرابة هو شعور التناصر والتكامل والامتداد بما أنه ضعيف ناقص محدود الأجل وفي قوة القرابة سند لضعفه وفي سعة رقعتها كمال لوجوده،وفي امتدادها جيلا بعد جيل ضمان لامتداده! ومن ثم يجعله ضعيفا تجاه قرابته حين يقف موقف الشهادة لهم أو عليهم،أو القضاء بينهم وبين الناس .. وهنا في هذه المزلة يأخذ الإسلام بيد الضمير البشري ليقول كلمة الحق والعدل،على هدى من الاعتصام باللّه وحده،ومراقبة اللّه وحده،اكتفاء به من مناصرة ذوي القربى،وتقوى له من الوفاء بحق القرابة دون حقه وهو - سبحانه - أقرب إلى المرء من حبل الوريد ..

لذلك يعقب على هذا الأمر - وعلى الوصايا التي قبله - مذكرا بعهد اللّه: «وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا» ..

ومن عهد اللّه قولة الحق والعدل ولو كان ذا قربى. ومن عهد اللّه توفية الكيل والميزان بالقسط. ومن عهد اللّه ألا يقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن. ومن عهد اللّه حرمة النفس إلا بالحق .. وقبل ذلك كله ..من عهد اللّه ألا يشركوا به شيئا. فهذا هو العهد الأكبر،المأخوذ على فطرة البشر،بحكم خلقتها متصلة بمبدعها،شاعرة بوجوده في النواميس التي تحكمها من داخلها كما تحكم الكون من حولها.

ثم يجيء التعقيب القرآني في موضعه بعد التكاليف: «ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» ..

والذكر ضد الغفلة. والقلب الذاكر غير الغافل،وهو يذكر عهد اللّه كله،ويذكر وصاياه المرتبطة بهذا العهد ولا ينساها.

... هذه القواعد الأساسية الواضحة التي تكاد تلخص العقيدة الإسلامية وشريعتها الاجتماعية مبدوءة بتوحيد اللّه ومختومة بعهد اللّه،وما سبقها من حديث الحاكمية والتشريع ... هذه هي صراط اللّه المستقيم ..صراطه الذي ليس وراءه إلا السبل المتفرقة عن السبيل: «وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ،وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ .. ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» ..

وهكذا يختم القطاع الطويل من السورة الذي بدأ بقوله تعالى: «أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا،وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا» ..وانتهى هذه النهاية،بهذا الإيقاع العريض العميق ..

وضم بين المطلع والختام قضية الحاكمية والتشريع،كما تبدو في مسألة الزروع والأنعام،والذبائح والنذور،إلى كل القضايا العقدية الأساسية،ليدل على أنها من هذه القضايا. التي أفرد لها السياق القرآني كل هذه المساحة وربطها بكل محتويات السورة السابقة التي تتحدث عن العقيدة في محيطها الشامل وتتناول قضية الألوهية والعبودية ذلك التناول الفريد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت