وقوله «تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ» .. تأويله - كما اختار ابن جرير: «ثم آتينا موسى التوراة تماما لنعمنا عنده،وأيادينا قبله،تتم به كرامتنا عليه،على إحسانه وطاعته ربه،وقيامه بما كلفه من شرائع دينه،وتبيينا لكل ما بقومه وأتباعه إليه الحاجة من أمر دينهم» [1] ..
وقوله:وتفصيلا لكل شيء. كما قال قتادة:فيه حلاله وحرامه.
وهدى ورحمة لعل قومه يهتدون ويؤمنون بلقاء ربهم فيرحمهم من عذابه .... هذا الغرض الذي من أجله آتينا موسى الكتاب،جاء من أجله كتابكم،لعلكم تنالون به الهدى والرحمة: «وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ،فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» ..وإنه لكتاب مبارك حقا - كما فسرنا ذلك من قبل عند ورود هذا النص في السورة أول مرة: «وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ،وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها،وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ،وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ [2] » .. (الآية:92) .. وكان ذكر هذا الكتاب هناك بمناسبة الحديث عن العقيدة في مجالها الشامل وهو هنا يذكر بمناسبة الحديث عن الشريعة بنص مقارب! ويؤمرون باتباعه وتناط رحمتهم من اللّه بهذا الاتباع. والكلام هنا بجملته في معرض الشريعة،بعد ما تناولته أوائل السورة في معرض العقيدة.
وقد بطلت حجتكم،وسقطت معذرتكم،بتنزيل هذا الكتاب المبارك إليكم،تفصيلا لكل شيء. بحيث لا تحتاجون إلى مرجع آخر وراءه وبحيث لا يبقى جانب من جوانب الحياة لم يتناوله فتحتاجون أن تشرعوا له من عند أنفسكم: « أَنْ تَقُولُوا:إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا. وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا:لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ. فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ. فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها؟ سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ» ..
لقد شاء اللّه سبحانه أن يرسل كل رسول إلى قومه بلسانهم .. حتى إذا كانت الرسالة الأخيرة أرسل اللّه محمدا خاتم النبيين للناس كافة. فهو آخر رسول من اللّه للبشر،فناسب أن يكون رسولا إليهم أجمعين.واللّه - سبحانه - يقطع الحجة على العرب أن يقولوا:إن كلا من موسى وعيسى إنما أرسلا إلى قومهما.ونحن كنا غافلين عن دراستهم لكتابهم،لا علم لنا به ولا اهتمام. ولو جاء إلينا كتاب بلغتنا،يخاطبنا وينذرنا لكنا أهدى من أهل الكتاب .. فقد جاءهم هذا الكتاب وجاءهم رسول منهم - وإن كان رسولا للناس أجمعين - وجاءهم بكتاب هو بينة في ذاته على صدقه. وهو يحمل إليهم حقائق بينة كذلك لا لبس فيها ولا غموض. وهو هدى لما هم فيه من ضلالة،ورحمة لهم في الدنيا والآخرة ..
(1) - تفسير الطبري - مؤسسة الرسالة [12 /237]
(2) - الجزء السابع ص 1147. ( السيد رحمه الله )