فإذا كان ذلك كذلك،فمن أشد ظلما ممن كذب بآيات اللّه وأعرض عنها وهي تدعوه إلى الهدى والصلاح والفلاح؟ من أشد ظلما لنفسه وللناس بصده لنفسه وللناس عن هذا الخير العظيم،وبإفساده في الأرض بتصورات الجاهلية وتشريعاتها .. إن الذين يعرضون عن هذا الحق في طبعهم آفة تميلهم عنه كالآفة التي تكون في خف البعير فتجعله يصدف - أي يميل - بجسمه ولا يستقيم! إنهم «يصدفون» عن الحق والاستقامة،كما يصدف البعير المريض عن الاعتدال والاستقامة! وهم مستحقون سوء العذاب بصدوفهم هذا وميلهم: « سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ» ..
إن التعبير القرآني يستخدم مثل هذا اللفظ،المنقول في اللغة من حالة حسية إلى حالة معنوية ليستصحب في الحس أصل المعنى .. فيستخدم هنا لفظ «يصدف» وقد عرفنا أنه من صدف البعير إذا مال بخفه ولم يعتدل لمرض فيه! كذلك يستخدم لفظ «يصعر خده» وهو مأخوذ من داء الصّعر الذي يصيب الإبل - كما يصيب الناس - فتعرض صفحة خدها،اضطرارا،ولا تملك أن تحرك عنقها بيسر،ومثله استخدام لفظ «حبطت أعمالهم» ..من حبطت الناقة إذا رعت نباتا مسموما فانتفخ بطنها ثم ماتت! ومثلها كثير ..
ويمضي في هذا التهديد خطوة أخرى،للرد على ما كانوا يطلبونه من الآيات والخوارق حتى يصدقوا بهذا الكتاب .. وقد مضى مثل ذلك التهديد في أوائل السورة عند ما كانت المناسبة هناك مناسبة التكذيب بحقيقة الاعتقاد. وهو يتكرر هنا،والمناسبة الحاضرة هي مناسبة الإعراض عن الاتباع والتقيد بشريعة اللّه:فقد جاء في أول السورة: «وَقالُوا:لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ! وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ» ..
وجاء هنا في آخرها: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ،أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ؟ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا:قُلِ:انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ» ..
إنه التهديد الواضح الحاسم. فقد مضت سنة اللّه بأن يكون عذاب الاستئصال حتما إذا جاءت الخارقة ثم لم يؤمن بها المكذبون .. واللّه سبحانه يقول لهم:إن ما طلبوه من الخوارق لو جاءهم بعضه لقضي عليهم بعده .. وإنه يوم تأتي بعض آيات اللّه تكون الخاتمة التي لا ينفع بعدها إيمان ولا عمل .. لنفس لم نؤمن من قبل،ولم تكسب عملا صالحا في إيمانها. فالعمل الصالح هو دائما قرين الإيمان وترجمته في ميزان الإسلام.
ولقد ورد في روايات متعددة أن المقصود بقوله تعالى: «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ» هو أشراط الساعة وعلاماتها،التي لا ينفع بعدها إيمان ولا عمل. وعدوا من ذلك أشراطا بعينها .. ولكن تأويل الآية على وفق السنة الجارية في هذه الحياة أولى. فقد سبق مثله في أول السورة،وهو قوله